
باب المندب: هل يتحول الممر البحري الحيوي إلى بؤرة أزمة طاقة عالمية؟
سؤال يقلق أسواق الطاقة العالمية
مضيق واحد، وقرار واحد باستهداف ناقلتين، كافيان لإشعال مخاوف أسواق الطاقة حول العالم. بعد أن استهدفت جماعة “أنصار الله” ناقلتَي نفط سعوديتين في محيط ميناء الشقيق، بات السؤال الجوهري مطروحاً بإلحاح: هل يسير باب المندب على خطى مضيق هرمز ليصبح نقطة اختناق جديدة تهدد إمدادات الطاقة العالمية؟
تكمن خطورة هذا التطور في أن باب المندب ليس مجرد ممر بحري عادي. إنه الشريان الذي يربط البحر الأحمر ببحر العرب، وتعبره يومياً ملايين البراميل من النفط السعودي المتجه إلى الأسواق الآسيوية، فضلاً عن صادرات النفط الروسية القادمة من البحر الأسود عبر قناة السويس نحو آسيا. أي اضطراب في هذا الممر لا يُحسب بالدولارات فحسب، بل بتوازنات الطاقة العالمية برمتها.
ما الذي يجري فعلياً في المضيق؟
التهديدات تحولت إلى واقع تشغيلي ملموس. كشفت بيانات تتبع السفن التي نقلتها وكالة رويترز أن ثماني ناقلات غيّرت مساراتها خلال يومين فقط، فيما تراجعت سفينة لنقل السيارات عن التوجه إلى ميناء جدة. الحمولة المُعلنة لهذه السفن التي أعادت توجيه مساراتها تبلغ ما لا يقل عن 2.5 مليون برميل من النفط كانت مقررة للأسواق الآسيوية.
أعلنت جماعة “أنصار الله” إصابة ناقلتين تبلغ سعتهما التخزينية الإجمالية نحو 1.8 مليون برميل. هذا الرقم وحده كافٍ لدفع أسواق النفط إلى التعامل مع باب المندب باعتباره نقطة اضطراب فعلية، لا مجرد تهديد محتمل يمكن تجاهله.
غير أن الصورة لا تخلو من تعقيد. رصدت بيانات التتبع استمرار بعض الناقلات في اختراق المنطقة؛ إذ واصلت ناقلتان صينيتان إبحارهما من ميناء ينبع باتجاه الصين، تحملان معاً نحو أربعة ملايين برميل من الخام السعودي. هذا الاستمرار يعكس أن بعض المشترين لا يزالون مستعدين لتحمّل مخاطر العبور.
ما التكلفة الحقيقية لتحويل المسار؟
الأرقام صادمة في دلالتها. إعادة توجيه شحنات النفط المنطلقة من ميناء ينبع عبر رأس الرجاء الصالح بدلاً من المسار المعتاد تضيف نحو عشرة آلاف ميل بحري إلى كل رحلة، ما يعادل 34 يوماً إضافياً من الإبحار. التكلفة المالية المباشرة تتجاوز خمسة ملايين دولار لكل سفينة، يُضاف إليها نحو مليون دولار رسوم عبور قناة السويس، دون احتساب تكاليف الوقود أو علاوات التأمين ومخاطر الحرب التي ترتفع بصورة متسارعة.
هذه الأرقام تعني بوضوح أن استمرار الاضطرابات سيُترجَم حتماً إلى ارتفاع في أسعار المنتجات النفطية عالمياً، وليس في آسيا وحدها.
هل يمكن السيطرة على الأزمة؟
يرى استشاري الاقتصاد والنقل الدولي زياد الهاشمي أن المخاطر لا تزال ضمن حدود يمكن إدارتها في الوقت الراهن. يستند في تقديره هذا إلى أن نحو 27 سفينة، من بينها ناقلات نفط وسفن تجارية، عبرت باب المندب في يوم واحد رغم التهديدات القائمة، وهو مؤشر على استمرار ثقة نسبية بإمكانية مواصلة الملاحة.
يعزو الهاشمي هذه الثقة النسبية إلى عاملين رئيسيين: اتساع باب المندب مقارنة بمضيق هرمز الأضيق، ومحدودية قدرة جماعة “أنصار الله” على فرض سيطرة كاملة على هذا الممر البحري الواسع. هذان العاملان يمنحان السفن هامشاً أكبر للمناورة.
بيد أن السيناريو الأسوأ لا يزال قائماً على الطاولة. يحذر الهاشمي من أن التحول الحقيقي للأزمة سيقع حين تقرر شركات النقل الكبرى إعادة توجيه أساطيلها بصورة جماعية، وتمتنع شركات التأمين عن إصدار وثائق تغطي السفن العابرة. عند ذلك الحد، تتحول الأزمة البحرية إلى اضطراب كامل في سلاسل إمداد الطاقة العالمية.
إلى أين تتجه أسعار النفط؟
ارتفعت أسعار النفط بالفعل بنحو 4% لتقترب من 98 دولاراً للبرميل. لكن الهاشمي يرسم سيناريو أكثر قتامة: قد تتجاوز الأسعار 110 دولارات، وربما تبلغ 120 دولاراً إذا اتسعت الأزمة واستُهدفت مرافق تحميل النفط في ميناء ينبع السعودي مباشرة.
التداعيات لن تقتصر على آسيا. تتجه نحو 1.5 مليون برميل يومياً من النفط السعودي إلى الأسواق الأوروبية، مقابل نحو ثلاثة ملايين برميل إلى آسيا. انخفاض الإمدادات سيُشعل منافسة حادة بين القارتين للحصول على الشحنات المتاحة، وهو ما بدأت ملامحه تتشكل فعلاً مع تقديم مصافٍ آسيوية في الصين والهند عروضاً سعرية أعلى لضمان الحصول على النفط قبل أي موجة ارتفاع جديدة.
ماذا يعني هذا كله للمنطقة؟
السعودية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد. أعادت المملكة تنظيم مسارات تصدير نفطها مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، معتمدةً بصورة أكبر على موانئ ينبع والشقيق. غير أن استهداف الناقلات في محيط هذه الموانئ بالذات يهدد بإعادة خلط أوراق الإمداد ورفع مستوى المخاطر أمام حركة التجارة الدولية برمتها.
على الصعيد الإقليمي، شددت دول رابطة آسيان خلال اجتماعها الأخير على ضرورة ضمان حرية وأمن عبور شحنات الطاقة المتجهة إلى أسواقها، في موقف يعكس حجم القلق المتصاعد من امتداد التهديدات البحرية. الرسالة واضحة: استقرار ممرات الطاقة البحرية لم يعد مجرد مصلحة إقليمية، بل ضرورة اقتصادية عالمية لا يمكن التفاوض عليها.




