مجلس التعاون الخليجي يدعو إلى تشديد الرقابة الدولية على نقل الصواريخ والطائرات المسيرة إلى الجماعات المسلحة

ما الذي طالب به مجلس التعاون الخليجي بالضبط؟

في خطوة تعكس قلقاً خليجياً متصاعداً من تنامي ظاهرة التسليح غير المشروع، طالب مجلس التعاون لدول الخليج العربية المجتمعَ الدولي بالتحرك الجاد لوقف تدفق الأسلحة والتمويل والتدريب إلى الجماعات المسلحة العاملة خارج إطار الدولة. وشمل الموقف الخليجي الدعوةَ إلى مساءلة الجهات الداعمة لهذه الجماعات، وضمان التطبيق الصارم لقرارات حظر الأسلحة الدولية، مع التركيز بشكل خاص على تشديد الرقابة على عمليات نقل الصواريخ والطائرات المسيرة التي باتت تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها.

جاء هذا الموقف على هامش الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث نظّمت الأمانة العامة لمجلس التعاون ندوةً متخصصة حملت عنوان “التحديات المتعلقة بالجماعات المسلحة خارج نطاق الدولة”. وقد أكد الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي، أن تنظيم هذه الندوة في هذا المحفل الأممي الرفيع يعكس عمق اهتمام دول الخليج بهذا الملف، وإدراكها أنه لا يمكن معالجته بمعزل عن الإرادة الدولية الجماعية.

لماذا تُشكّل هذه الجماعات تهديداً استراتيجياً بالغ الخطورة؟

المسألة ليست مجرد أمن داخلي. وجود جماعات مسلحة تعمل خارج مؤسسات الدولة الشرعية يمثل تحدياً يطعن في صميم مفهوم السيادة الوطنية. شدد البديوي على أن دول المجلس تتبنى موقفاً ثابتاً لا لبس فيه: لا هيبة للدولة حين يتعدد حاملو السلاح خارج سلطتها، ولا استقرار حين تُتخذ القرارات العسكرية خارج مؤسساتها الشرعية. هذه المعادلة البسيطة تلخّص خطراً بالغ التعقيد تعيشه المنطقة يومياً.

تتضاعف خطورة هذه الجماعات حين تمتلك مصادر تمويل وتسليح مستقلة، أو حين ترتبط بأطراف خارجية تُمدّها بالمال والسلاح والتدريب. وقد شهدت منطقة الخليج والمناطق المحيطة بها توظيفاً متصاعداً للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة من قِبل هذه الجماعات، في استهداف واضح للبنية التحتية المدنية وطرق الملاحة الدولية التي تُعدّ شريان التجارة العالمية. المسيّرات تحديداً تحولت من أداة تكتيكية محدودة إلى سلاح استراتيجي يصعب التصدي له بالأدوات التقليدية.

ما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه الظاهرة لم تعد إقليمية بامتياز، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية متنامية تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتطال مناطق أخرى من العالم. وهذا ما يجعل الاستجابة الخليجية في الأمم المتحدة ذات أهمية مزدوجة: فهي تعالج تهديداً محلياً مباشراً، وتُسهم في وقت ذاته في بناء إجماع دولي حول معايير أكثر صرامة للتعامل مع ملف التسليح غير المشروع.

ما الذي تطالب به دول الخليج من المجتمع الدولي تحديداً؟

الدعوة الخليجية ليست إعلاناً عاماً بلا مضمون. حدّد الأمين العام البديوي ثلاثة محاور عملية واضحة يتعيّن على المجتمع الدولي التحرك بشأنها. يتمثل المحور الأول في وقف تدفق الأسلحة والتمويل والتدريب إلى الجماعات المسلحة غير النظامية، وهو ما يستلزم ضغطاً دبلوماسياً حقيقياً على الدول الراعية لهذه الجماعات. أما المحور الثاني فيتعلق بمساءلة الداعمين لهذه الجماعات وعدم السماح بالإفلات من العقوبة الدولية، إذ إن غياب المحاسبة هو الوقود الذي يُبقي هذه الظاهرة حيّة. ويتمحور المحور الثالث حول تطبيق صارم لقرارات حظر الأسلحة، مع رقابة مشددة بشكل خاص على نقل الصواريخ والطائرات المسيرة التي باتت الأداة الأكثر تدميراً في ترسانة هذه الجماعات.

وأكد البديوي في ختام كلمته أن دول مجلس التعاون الخليجي ستبقى شريكاً فاعلاً وموثوقاً في منظومة صون السلم والأمن الدوليين، مؤكداً أن الاستقرار الإقليمي ليس مصلحة خليجية وحسب، بل شرط أساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية التي تمر عبر المياه الخليجية وبحر العرب والبحر الأحمر.

ما السياق الإقليمي الذي يُعطي هذا الموقف ثقلاً إضافياً؟

لا يمكن فهم هذا الموقف الخليجي بمعزل عن المشهد الأمني المتوتر في المنطقة. تُشير التقارير إلى أن جماعة الحوثيين في اليمن تواصل توظيف الصواريخ والطائرات المسيرة في استهداف الممرات البحرية الحيوية، فيما تتحدث مصادر متعددة عن مساعٍ حوثية للسيطرة على مرتفعات استراتيجية تُطلّ على ساحل البحر الأحمر. هذا المشهد الميداني يمنح الدعوة الخليجية في الأمم المتحدة طابعاً عاجلاً يتجاوز الخطاب الدبلوماسي المعتاد.

في الوقت ذاته، تشير التقارير إلى تحركات دبلوماسية متوازية في المنطقة، من بينها مباحثات مصرية باكستانية في نيويورك تناولت ملف التصعيد الإقليمي وسبل احتوائه، مما يكشف عن اتساع نطاق التنسيق الإقليمي والدولي بشأن هذه التحديات الأمنية. الإمارات العربية المتحدة، بوصفها دولةً محوريةً في منظومة مجلس التعاون، تُدرك تمام الإدراك أن تعزيز الأطر الدولية لمكافحة تسليح الجماعات المسلحة يصبّ مباشرة في خدمة أمنها الوطني ومكانتها الإقليمية كمركز تجاري وملاحي عالمي لا يمكن أن يزدهر في ظل فوضى الميليشيات وانعدام الاستقرار.