
ميثاق “على نهج أم الإمارات”: عهد وطني يرسّخ تمكين المرأة ويبني المستقبل
انطلاقة في لحظة رمزية
لا تزال الإمارات تعيش زخم الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية، في تظاهرة وطنية امتدت على مدار شهر كامل، من الثامن والعشرين من أغسطس حتى الثامن والعشرين من سبتمبر الجاري، بتوجيهات مباشرة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة والرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية. وفي خضم هذه الأجواء، أطلقت مؤسسة التنمية الأسرية ميثاقاً وطنياً حمل عنواناً دالاً: “على نهج أم الإمارات”.
لم يكن توقيت هذا الإطلاق مصادفةً عابرة. جاء مدروساً ومحسوباً، انعكاساً لنهج قيادة لا ترى في الإنجاز نقطةَ وصول، بل نقطةَ انطلاق نحو ما هو أبعد وأرفع. فالإمارات دولة تؤمن بأن التفوق لا يُحفظ بالتوقف عنده، وإنما بمواصلة السير والارتقاء.
ميثاق يتجاوز المرأة إلى المجتمع بأسره
يستلهم الميثاق رؤية سمو الشيخة فاطمة في تمكين المرأة وبناء الإنسان، غير أن جوهره أوسع مما يوحي به ظاهره. فهو وإن عُني بالمرأة في المقام الأول، إلا أنه يعكس طموحاً أشمل: الارتقاء بكل مكونات المجتمع، والاستفادة من ذوي الخبرات، والمشاركة في إعداد أجيال واعية معتزة بهويتها الوطنية، قادرة على مواصلة مسيرة التنمية والازدهار.
يتمسك الميثاق بقيم الريادة والتمكين والمسؤولية الوطنية، ويضعها في خدمة رؤية الإمارات وطموحاتها المستقبلية. وما يلفت الانتباه أن هذه الوثيقة لا تنظر إلى تمكين المرأة باعتباره غايةً منفصلة عن منظومة المجتمع، بل تضعه داخل إطار أشمل وأكثر تكاملاً.
معادلة التوازن: لا اختيار بين النجاح والأسرة
تكمن القيمة الحقيقية للميثاق في رفضه القاطع لمعادلة الاختيار الزائفة التي تضع المرأة أمام مفترق طرق: إما النجاح المهني وإما الأسرة. يدفع الميثاق المرأة الإماراتية نحو تحقيق التوازن بين طموحها ومسؤوليتها، بين الإنجاز الشخصي والدور الاجتماعي.
النموذج الذي تريده الإمارات شريكاً في مسيرتها هو المرأة التي تتفوق في مجالها المهني، وتبني أسرة مستقرة، وتشارك في خدمة مجتمعها في آنٍ واحد. فالأسرة المتماسكة ليست شأناً خاصاً بأفرادها وحدهم، بل هي ركيزة من ركائز الاستقرار الوطني. والمعادلة التي يقدمها الميثاق تقوم على التكامل لا التنافر بين الأدوار، بحيث تصبح المرأة قادرة على العطاء في بيتها ومجتمعها ووطنها في وقت واحد.
الجذور في خدمة المستقبل
يدعو الميثاق إلى التمسك بالجذور وتعميق الهوية الوطنية، لكنه لا يعود بنا إلى الماضي إلا من أجل المستقبل. ينبّه المرأة الإماراتية إلى أن ما تحقق من مكتسبات ليس نهاية الطريق، وأن المحافظة على الإنجازات لا تقل أهمية عن تحقيقها، وأن الأجيال الجديدة مطالبة بحمل الراية والإضافة إليها.
ومن أبرز ما يطرحه الميثاق التركيزُ على الترابط بين الأجيال والاستفادة من خبرات كبار المواطنين وحكمتهم، وهي نقطة بالغة الأهمية في زمن تتسارع فيه المتغيرات. فالمرأة الإماراتية، وفق هذا التصور، ليست مجرد مستفيدة من إرث الأجيال السابقة، بل هي الجسر الذي تعبر من خلاله القيم والخبرات والذاكرة الوطنية إلى الأبناء والأحفاد.
ثماني التزامات تشكّل خريطة طريق
يتضمن الميثاق ثماني التزامات وطنية تمثل مرتكزات لمسيرة المرأة الإماراتية، وتشكّل خريطة طريق تجمع بين الأصالة والمعاصرة، والانفتاح على التميز والابتكار، وبين العطاء الوطني والطموح الشخصي. والهدف من هذه الالتزامات أن تكون المرأة شريكاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة التنمية المستدامة التي تشهدها الإمارات.
هذه الالتزامات لا تُقدَّم بوصفها قيوداً أو واجبات، بل بوصفها فرصاً للعطاء والتأثير في مسار وطن يضع المرأة في قلب مشروعه الحضاري. وهذا ما يميز التجربة الإماراتية في تمكين المرأة عن كثير من النماذج الأخرى حول العالم.
أم الإمارات: مصدر الإلهام والنهج
لا يمكن قراءة هذا الميثاق بمعزل عن الشخصية التي يستلهم منها عنوانه وروحه. فسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك تربعت منذ أمد بعيد على عرش قلوب أبناء الإمارات من الجنسين، عرفاناً بدورها الرائد وعطائها الذي لم ينقطع. وقد أوكل إليها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مهمة النهوض بالمرأة الإماراتية، فكانت على قدر المسؤولية دائماً وأبداً.
برؤيتها الملهمة، تحولت طموحات المرأة الإماراتية من أحلام إلى واقع ملموس، وتبوأت المرأة أدواراً ريادية في مختلف الميادين. والنهج الذي يشير إليه عنوان الميثاق ليس مجرد مسيرة شخصية، بل هو منظومة قيم متكاملة ارتبطت بدعم المرأة ودفعها نحو التفوق، وأثمرت عن نموذج إماراتي فريد يُحتذى به على المستوى العالمي.
عهد بالاستمرار على الدرب
في جوهره، الميثاق عهد جديد بأن يستمر العطاء على النهج ذاته: تمكين يحفظ الهوية، ونجاح لا ينسى الأسرة، وريادة تقترن بالمسؤولية. المرأة الإماراتية تبني المستقبل وهي تحمل في وجدانها إرث “أم الإمارات” وتطلعات وطنها في آن واحد.
عبر هذا الميثاق، تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها نموذجاً فريداً على المستوى العالمي في تمكين المرأة؛ نموذجاً لا يفصل بين التقدم والهوية، ولا بين الطموح والمسؤولية، ولا بين الفرد والوطن. وهذا بالتحديد ما يجعل هذا الميثاق وثيقةً تتجاوز حدودها المكانية لتحمل رسالةً إنسانية ذات أبعاد عالمية.




