مراكز العزيمة: كيف حوّلت الإمارات أصولاً معطّلة إلى نماذج عالمية لعلاج الإدمان وإعادة التأهيل

في خطوة تعكس عمق الرؤية الاستراتيجية التي تتبنّاها المنظومة الصحية في المنطقة العربية، كشف الدكتور عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، عن المسيرة اللافتة لمراكز العزيمة التابعة للصندوق، والتي انتقلت من مجرد مبانٍ معطّلة وأصول غير مستغلة إلى منظومة علاجية وتأهيلية متكاملة تُضاهي أرقى مراكز علاج الإدمان على مستوى العالم.

يرتكز الفكر المؤسسي لهذه المراكز على قناعة راسخة مفادها أن مكافحة الإدمان لا تنتهي بسحب السموم من الجسم، بل تمتد لتشمل إعادة بناء الفرد نفسياً واجتماعياً ومهنياً، حتى يعود عنصراً منتجاً ومندمجاً في نسيج المجتمع. هذه الفلسفة الشاملة هي التي رسمت ملامح التحوّل الجذري الذي شهدته المراكز في مختلف المحافظات.

من أصول مهجورة إلى واحات علاجية

أوضح عثمان أن المراكز أُعيد تأهيلها وتطويرها وفق أحدث المعايير الدولية في مجال علاج الإدمان، إذ باتت تضم عيادات خارجية وأقسام للإقامة الداخلية، إلى جانب مساحات خضراء وقاعات تأهيل وفصول لمحو الأمية وصالات رياضية تشمل تنس الطاولة والبلياردو وصالات اللياقة البدنية، فضلاً عن قاعات موسيقى ومسرح ومكتبة ومطعم. هذا البيئة الشاملة والداعمة تهدف بالدرجة الأولى إلى استعادة المتعافي ثقته بنفسه، وتوفير محيط آمن يُعزّز مسيرة شفائه.

ولعل أبرز ما يميّز هذه المراكز هو دمج البرنامج العلاجي بمسار تأهيل مهني متخصص يُعرف بـ«العلاج بالعمل»، حيث تُقدَّم ورش تدريبية في حِرف يحتاجها سوق العمل فعلياً، من بينها النجارة والحدادة والكهرباء والسباكة وصيانة الهواتف المحمولة وتفصيل الملابس والحرف اليدوية، وكلها تحت إشراف مدربين متخصصين يضمنون جودة التعلم وانتظامه.

التأهيل النفسي والاجتماعي: ركيزة لا تُهادن

لا يقل الجانب النفسي أهمية عن سواه داخل هذه المراكز، إذ تُنظَّم جلسات دعم نفسي منتظمة وبرامج لتعديل السلوك وفق مناهج العلاج المعرفي السلوكي، إلى جانب برامج إرشاد موجّهة لأسر المتعافين لتأهيلهم على التعامل الصحيح مع ذويهم بعد خروجهم من المراكز. كما تُعقد لقاءات دورية مع الأسر لتدريبهم على تهيئة بيئة منزلية مناسبة خالية من الوصمة الاجتماعية، مما يُقلّص بشكل ملموس فرص الانتكاسة.

يمتد البرنامج التأهيلي ليشمل أبعاداً متعددة ومتكاملة في آنٍ واحد؛ فإلى جانب التأهيل النفسي والمهني والبدني، تُوفّر المراكز فصولاً لمحو الأمية وقاعات كمبيوتر، كما تُتيح قروضاً لتمويل مشروعات المتعافين ضمن مبادرة التمكين الاقتصادي بالتعاون مع الجهات المعنية، في إطار منظومة متكاملة لخدمات ما بعد العلاج المجاني والدمج المجتمعي الفعّال.

وقد لفت مدير الصندوق إلى أن تجربة مراكز العزيمة باتت نموذجاً يُحتذى به إقليمياً، إذ استقبلت وفوداً من دول عربية عدة حرصت على الاطلاع على آليات العمل ونظام التأهيل المتكامل، سعياً للاستفادة من هذه التجربة الرائدة وتطبيقها في سياقاتها المحلية. هذا الاعتراف الإقليمي يُرسّخ مكانة النموذج العربي في مواجهة أزمة الإدمان بأدوات علمية وإنسانية متقدمة.