
خمس دقائق تفصل بين يوم عمل منتج وآخر مرهق.. لماذا ينصح الخبراء بإنهاء الاجتماعات مبكراً؟
الساعة العاشرة والنصف صباحاً، وقد انتهى اجتماع نصف الساعة للتو — أو هكذا كان مقرراً. تمتد النقاشات بضع دقائق إضافية، يتبادل الحضور ملاحظة أخيرة، ثم ينتقل الجميع مباشرةً إلى الاجتماع التالي دون لحظة واحدة للتنفس أو مراجعة ما قيل. هذا المشهد يتكرر في مكاتب الشركات حول العالم يومياً، وهو ليس مجرد إزعاج بسيط، بل يمثل أحد أبرز مسببات ما يعرف بـإرهاق الاجتماعات.
الدقائق الضائعة بين الاجتماعات تبدو للوهلة الأولى تفصيلاً هامشياً في جدول العمل، غير أنها تتراكم يوماً بعد يوم لتحوّل ساعات العمل إلى سباق متواصل. يجد الموظف نفسه في حالة انتقال دائم بين محادثات متعاقبة، دون أن تتاح له فرصة لمعالجة المعلومات، أو تدوين القرارات، أو إعادة ترتيب أفكاره استعداداً للمهمة التالية.
تكشف أبحاث علم النفس التنظيمي أن الاجتماعات تستهلك طاقة معرفية ضخمة؛ فالاستماع الفعّال، وتحليل المعلومات، والمشاركة في النقاش كلها عمليات ذهنية مكثفة. وحين ينتهي الاجتماع ليبدأ اجتماع آخر فوراً، يُحرم الدماغ من ما يسميه الباحثون وقت المعالجة، أي الفترة الضرورية لتحويل المعلومات الجديدة إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ. والنتيجة مفارقة صارخة: يوم كامل من الاجتماعات، لكن دون إنجاز فعلي يُذكر.
وتُضاف إلى ذلك ظاهرة تكلفة التبديل، التي تصف الطاقة التي يستنزفها الدماغ عند الانتقال من سياق فكري إلى آخر. الانتقال من اجتماع مالي إلى اجتماع تسويقي مباشرةً يعني أن الدماغ يحتاج إلى إعادة ضبط كاملة لفهم المعطيات الجديدة. وقد خلصت دراسة نُشرت في مجلة Cognition إلى أن التبديل المستمر بين المهام يضعف الأداء ويرفع الوقت اللازم لإنجاز الأعمال بصورة ملموسة.
أمام هذا الواقع، طرحت شركات التكنولوجيا الكبرى حلاً عملياً بالغ البساطة: تقليص مدة الاجتماعات تلقائياً من البداية. تقدم Google Calendar ميزة “الاجتماعات السريعة”، فيما توفر Microsoft Outlook خيار “إنهاء الاجتماعات مبكراً”، وكلتاهما تعمل على المبدأ ذاته: يصبح اجتماع الثلاثين دقيقة خمساً وعشرين، والاجتماع الذي يستغرق ساعة يتقلص إلى خمسين دقيقة. هذه الدقائق القليلة تمنح الموظف مساحة حقيقية لتسجيل النقاط المهمة، وإرسال رسائل المتابعة، أو مجرد أخذ نفس عميق قبل الاجتماع التالي.
ثمة أيضاً ما يعرفه المختصون بـقانون باركنسون، الذي يفترض أن العمل يتمدد ليملأ كامل الوقت المخصص له. وهذا يفسر لماذا تنتهي اجتماعات الساعة في الغالب إلى النتائج ذاتها التي كان يمكن بلوغها في نصف ذلك الوقت، مع استنزاف أكبر للطاقة والتركيز. إطالة الاجتماع لا تعني بالضرورة تحسين مخرجاته.
يعود جزء من المشكلة إلى طبيعة تطبيقات التقويم الرقمي التي بُنيت تاريخياً على وحدات زمنية ثابتة كالنصف ساعة والساعة الكاملة، فأصبح هذا النمط معياراً راسخاً في ثقافة الشركات حتى حين لا يكون الخيار الأمثل. ويؤكد خبراء الإدارة أن تغيير هذه العادة يستلزم إعادة النظر في مفهوم الاجتماع ذاته، ليُعامَل باعتباره أداةً لتحقيق هدف محدد وليس مساحةً مفتوحة للنقاش.
مع تنامي ثقافة العمل عن بُعد في السنوات الأخيرة، بدأت مؤسسات عديدة تعيد تقييم علاقتها بالاجتماعات. بعضها خصص أياماً كاملة بلا اجتماعات، وأخرى اشترطت وجود جدول أعمال واضح مسبقاً، ودعوة الأشخاص الضروريين فحسب، وتحديد نتيجة ملزمة لكل جلسة. هذه الممارسات تخدم بشكل خاص الموظفين الذين تتطلب وظائفهم تركيزاً عميقاً ومتواصلاً، كالمبرمجين والمحللين وكتّاب المحتوى.
في المحصلة، لا تعني الخمس دقائق الفاصلة بين الاجتماعات شيئاً يسيراً؛ فعلى مدار أسبوع عمل كامل، قد تتحول إلى ساعات من التفكير الهادئ والعمل المركّز. الهدف الحقيقي ليس مجرد تقليص مدة الاجتماعات، بل استعادة السيطرة على إيقاع يوم العمل، بدلاً من أن يتحول إلى سلسلة لا تنتهي من المكالمات التي تبدأ دائماً متأخرة وتنتهي على عجل.




