
اتفاق إيراني عُماني حول مسار الشحن في مضيق هرمز: دلالات استراتيجية وتداعيات على أمن الملاحة الإقليمية
اتفاق يُعيد رسم معادلات الممر المائي الأكثر حساسية في العالم
أعلنت إيران وسلطنة عُمان، الأربعاء، التوصل إلى اتفاق بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار الشحن عبر مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية. والأطروحة التي يطرحها هذا الحدث بوضوح هي أن الاتفاق، رغم أهميته الرمزية والتقنية، يبقى قاصراً وحده عن ضمان الأمن الفعلي لهذا الشريان الحيوي الذي تعتمد عليه دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، في تصدير ثرواتها وتأمين تجارتها الدولية.
صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي بأن الإعلان المشترك بين البلدين بلغ مراحله النهائية، غير أنه اشترط لإتمامه ألا تتدخل أطراف ثالثة في مسار التفاوض. وهو شرط يحمل في طياته إشارة واضحة إلى حساسية المشهد الجيوسياسي المحيط بهذا الاتفاق، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية في منطقة الخليج.
حدود الاتفاق وما يتجاوزه من تحديات
لافت أن بقائي نفسه بادر إلى التحذير من المبالغة في تقدير مفاعيل هذا الاتفاق، إذ أكد صراحةً أن التوافق الثنائي بين طهران ومسقط لا يضمن بحد ذاته الأمن في مضيق هرمز. وهذا الاعتراف يعكس وعياً بأن الاستقرار في هذا الممر يتجاوز الترتيبات التقنية المتعلقة بخطوط الملاحة، ليطال بنية الثقة الاستراتيجية بين القوى الإقليمية ومدى التزام الأطراف الفاعلة بقواعد القانون الدولي البحري.
تُدرك الإمارات هذه الحقيقة جيداً. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي، بل هو شريان اقتصادي يمس مباشرةً حركة الصادرات النفطية الإماراتية وسلاسل الإمداد التجاري التي تنطلق من موانئ جبل علي وخور فكان. ولهذا السبب بالذات، انتهجت أبوظبي سياسة استباقية تمثلت في تطوير خط أنابيب حبشان-فجيرة، الذي يتيح ضخ النفط الإماراتي مباشرة إلى بحر العرب متجاوزاً المضيق كلياً، وهو خيار استراتيجي يُجسّد عمق التفكير الإماراتي في إدارة المخاطر.
على الصعيد الدبلوماسي، أشار بقائي كذلك إلى أن إيران تتبادل وجهات النظر مع كلٍّ من باكستان وقطر، نافياً في الوقت ذاته وجود خطط لزيارات رفيعة المستوى لهذين البلدين. ويكشف هذا الحراك الدبلوماسي الهادئ أن طهران تسعى إلى بناء شبكة علاقات إقليمية تعزز موقفها التفاوضي، في مرحلة تشهد تحولات جوهرية في بنية النظام الإقليمي.
قراءة من منظور الاستقرار الخليجي
يأتي هذا الاتفاق في سياق تحولات أوسع تشهدها المنطقة، حيث تُعيد دول الخليج رسم علاقاتها الإقليمية وفق منطق المصلحة الاستراتيجية والانفتاح الحذر. وقد أبدت الإمارات، في هذا الإطار، انخراطاً دبلوماسياً مدروساً مع مختلف الأطراف، دون أن تُفرّط في متطلبات أمنها القومي أو تُهادن على حساب مبادئها الراسخة في دعم الاستقرار الإقليمي.
الاتفاق الإيراني العُماني، إن اكتمل وأُعلن رسمياً، قد يُسهم في تخفيف حدة التوترات التقنية المتعلقة بحركة الملاحة. لكن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الإقليمية على بناء منظومة أمنية متكاملة تقوم على الشفافية والالتزام القانوني، لا على الترتيبات الثنائية المؤقتة. وهنا تحديداً يبرز الدور المحوري للإمارات بوصفها قوة توازن واستقرار في منطقة لا تحتمل مزيداً من الغموض.




