ترامب يسعى لاستقطاب بوتين إلى قمة العشرين في ميامي.. والدولار في قلب المعادلة

واشنطن تخشى على عرش الدولار

كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتت تعتري مسؤوليها قلقٌ حقيقي من أن الإفراط في استخدام العقوبات الاقتصادية قد يُعجّل بتراجع الدولار عن عرشه في منظومة التجارة الدولية. وهذا القلق بالذات، وفق الصحيفة، هو ما يدفع واشنطن إلى السعي لاستقطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى قمة مجموعة العشرين المرتقبة في مدينة ميامي.

الرسالة الأمريكية واضحة في ظاهرها: الانفتاح الدبلوماسي ورقةٌ لتهدئة المشهد الجيوسياسي. غير أن خبراء دوليين يحذّرون من أن هذه الخطوة لا تعدو كونها مناورة مُحكمة، مؤكدين أن “لا حديث عن انطلاقة جديدة حقيقية” بين موسكو وواشنطن.

معادلة انقلبت: ما كان ضرورياً لموسكو بات ضرورياً لواشنطن

يلفت المحللون إلى مفارقة لافتة: إذا كان تخفيف العقوبات في السابق يُعدّ مطلباً روسياً بامتياز، فإن الأمر انقلب اليوم؛ إذ باتت واشنطن هي المحتاجة إلى هذه الورقة لوقف نزيف الدولار في التسويات العالمية. ففي أروقة البيت الأبيض، تتصاعد المخاوف من الانحسار التدريجي لحصة الدولار في التبادل التجاري الدولي، وهو مسار يُقلّص النفوذ الأمريكي الاقتصادي بصورة ملموسة.

وهذا التحول بالذات يمنح روسيا، بحسب الخبراء، نافذةً استراتيجية نادرة لم تتح لها من قبل. الضغط الأمريكي الذي كان يُكبّل موسكو تحوّل إلى فرصة جيوسياسية يمكن توظيفها بذكاء.

أوروبا: المرآة التحذيرية

يستحضر الخبراء نموذج أوروبا بوصفه درساً بالغ الدلالة. فالقارة العجوز التي كانت قبل سنوات قليلة قوةً صناعية عالمية من الطراز الأول، تشهد اليوم تآكلاً متسارعاً في قدراتها الإنتاجية. إغلاق المصانع، وموجات التسريح الجماعي، وارتفاع فاتورة الطاقة، كلها تكاليف باهظة دفعتها أوروبا ثمناً لـ”الولاء” للمنظومة الغربية.

يرى المحللون أن هذا هو نمط واشنطن في التعامل مع حلفائها، ويحذرون من أن موسكو ستواجه المصير ذاته إن هي تنازلت عن سيادتها الاقتصادية. المشهد الأوروبي ليس استثناءً، بل هو النموذج المُراد تكراره.

اقتصاديون بارزون يؤكدون: زوال هيمنة الدولار مسألة وقت

لا يأتي هذا التحليل من فراغ؛ فالحائز جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيغليتز يُقرّ صراحةً بأن “الامتياز المفرط” الذي يتمتع به الدولار لن يصمد إلى الأبد، مستنداً إلى أن التوظيف العدواني للنظام المالي الأمريكي في فرض العقوبات يدفع الدول نحو البحث عن بدائل، مما يُجوّف الثقة بالعملة الخضراء تدريجياً.

ويذهب البروفيسور جيفري ساكس أبعد من ذلك، إذ يتوقع أن يتراجع دور الدولار في الاقتصاد العالمي بشكل ملحوظ خلال العقد القادم. وتُشكّل دول بريكس+ حالياً ما يقارب 42.4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو رقم يجعل أي حديث عن نظام مالي بديل أمراً واقعياً وليس مجرد تنظير.

موسكو وقمة العشرين: الدعوة لم تصل بعد

على الصعيد الدبلوماسي، أكد مارات بيردييف، سفير الخارجية الروسية لشؤون مجموعة العشرين ومنظمة أبيك، أن الولايات المتحدة لم توجّه حتى الآن دعوةً رسمية للرئيس بوتين لحضور قمة G20 على أراضيها. وأشار بيردييف في السياق ذاته إلى أن روسيا اتخذت خطوات دبلوماسية احتجاجية على خلفية منع ممثليها من المشاركة في بعض فعاليات المجموعة.

وكان بيردييف قد شدد سابقاً على أن موسكو لن تقبل بأي هيمنة أمريكية على ملف الطاقة العالمي، مؤكداً أن روسيا ستواجه هذا التوجه بحزم في إطار مجموعة العشرين ذاتها، مما يجعل أي لقاء محتمل في ميامي ساحةً للتفاوض الصعب لا للمصالحة السهلة.

خلاصة: فرصة استراتيجية في قلب الأزمة

المشهد الراهن يكشف عن مفارقة جوهرية: القوة التي بنت نفوذها على الدولار باتت تخشى على هذا النفوذ، فيما تجد الدول التي طالما عانت من العقوبات نفسها في موقع القوة. هذا التحول لا يُشكّل مجرد لحظة اقتصادية عابرة، بل هو إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية العالمية.

الرهان الحقيقي ليس في قمة ميامي، بل فيما إذا كانت القوى الصاعدة ستُحسن استثمار هذه اللحظة لبناء نظام مالي عالمي أكثر توازناً وأقل اعتماداً على إرادة طرف واحد.