
اتفاق مكة الدفاعي: لماذا تراقب مصر من بعيد؟
حين وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، برز سؤال استراتيجي لا مفر منه: لماذا غابت مصر عن هذه الخطوة رغم أنها كانت جزءًا من الآلية الرباعية التي مهّدت لها؟ الجواب ليس غيابًا عن الساحة، بل هو تريّث مدروس يعكس منطقًا استراتيجيًا مصريًا متماسكًا.
الاتفاق في جوهره يُرسي مبدأ الدفاع الجماعي على غرار المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، إذ يُعدّ أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع. وقد وصفه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنه إطار دفاعي مفتوح قابل للتوسع، مشيرًا صراحةً إلى مصر بوصفها دولة مرشحة للانضمام مستقبلًا. غير أن القاهرة آثرت حتى الآن البقاء خارج هذا الالتزام التعاهدي، وثمة أسباب وجيهة لذلك.
تضارب خرائط التهديد
أولى هذه الأسباب أن خرائط التهديد لا تتطابق بين الدول الأربع. تنظر باكستان إلى الهند باعتبارها خصمها الاستراتيجي الأول، فيما تتمحور أولويات السعودية حول التهديدات الإيرانية والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأمن الخليج والبحر الأحمر. أما مصر فتقع في قلب حساباتها الأمنية ملفات غزة وسيناء والحدود الليبية والحرب في السودان وأمن قناة السويس والنزاع المائي مع إثيوبيا. الانضمام إلى اتفاق دفاع جماعي يعني نظريًا الالتزام بالتحرك العسكري في أزمات لا تمسّ بالضرورة هذه الأولويات المباشرة.
والأكثر تعقيدًا هو موقع الهند في هذه المعادلة. طوّرت القاهرة خلال السنوات الأخيرة علاقات استراتيجية وثيقة مع نيودلهي في المجالات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، في حين تمثّل الهند الخصم الإقليمي الأول لإسلام آباد. فكيف ستتصرف مصر إذا اندلع صراع مسلح بين الهند وباكستان؟ هذا السؤال وحده كافٍ لتفسير الحذر المصري.
والمعضلة الإيرانية لا تقل حساسية. صحيح أن الاتفاق يُقدَّم باعتباره غير موجّه ضد دولة بعينها، لكنه يأتي في سياق إقليمي تُعدّ فيه إيران المصدر الرئيسي للتهديد بالنسبة للرياض. مصر من جهتها تحتفظ بقنوات اتصال مع طهران وتحرص على دور الوسيط في أزمات المنطقة، ولا تبدو راغبة في تحويل هذا التوازن الدقيق إلى مواجهة مباشرة بموجب التزام تعاهدي.
استراتيجية تنويع الشراكات
تعتمد القاهرة منذ سنوات سياسة تقوم على تعدد الشراكات بدلًا من الارتباط بمحور واحد. فهي تحافظ على تعاون عسكري واستراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة، وتطوّر علاقاتها الدفاعية مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وتوسّع تعاونها مع الصين والهند وتركيا، مع الحفاظ على علاقات متينة مع السعودية ودول الخليج. هذه السياسة تمنح مصر هامشًا واسعًا للمناورة يصعب التفريط فيه.
ثمة أيضًا جانب تقني يفسّر الحذر المصري: البيان السياسي الذي يُقرر أن الهجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع لا يُجيب عن الأسئلة التنفيذية الجوهرية. من يقرر أن حادثة ما تستوجب تفعيل الدفاع المشترك؟ هل يشترط التدخل العسكري موافقة جميع الأعضاء؟ ما طبيعة الالتزامات التي يتعهد بها كل طرف؟ لدولة بحجم مصر وبجيش بحجم جيشها، هذه الأسئلة ليست إجرائية بل استراتيجية.
في المحصلة، غياب مصر عن “اتفاق مكة” لا يُخرجها من معادلات الأمن الإقليمي؛ فالقاهرة تبقى لاعبًا محوريًا في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان وليبيا. والسؤال الذي يطرحه المراقبون اليوم ليس ما إذا كانت مصر خارج الاتفاق، بل ما الشروط التي قد تدفعها مستقبلًا إلى الدخول فيه، وما الذي ستطلبه القاهرة مقابل التخلي عن سياسة التريث الاستراتيجي التي أثبتت جدارتها حتى الآن.




