
أزمة سبتة: يوم واحد من الفوضى يكشف هشاشة الوحدة الأوروبية
تحوّلت أزمة الهجرة التي اندلعت فجأة على حدود مدينة سبتة الإسبانية، المحاطة بالأراضي المغربية، من حادثة حدودية عابرة إلى اختبار وجودي حقيقي للمشروع الأوروبي المشترك. فما بدأ بتدفق غير مسبوق من المهاجرين غير النظاميين — وُصف بأنه الأكبر في يوم واحد منذ سنوات طويلة — سرعان ما كشف عن شبكة معقدة من التوترات السياسية والانقسامات الاستراتيجية التي تنخر في بنية الاتحاد الأوروبي من الداخل.
لم تكن الأزمة مجرد أرقام وأعداد عند الشريط الحدودي، بل كانت مرآة عاكسة لحالة الارتباك التي تعيشها أوروبا في مواجهة ملف الهجرة. فقد راح عشرات الأشخاص ضحايا الغرق والتدافع أثناء محاولات العبور، في مشاهد استدعت ذاكرة القارة المؤلمة عام 2015، حين تدفقت موجات اللاجئين وفتحت جراحاً سياسية لم تندمل حتى اليوم.
سانشيز في مرمى النيران
وجد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسه في قلب العاصفة، لا بسبب الأزمة وحدها، بل بسبب تراكم مواقف جعلته شاذاً عن التيار الأوروبي السائد. فسانشيز هو من دافع عن الحاجة إلى المهاجرين لمواجهة التحديات الديمغرافية، ورفض الاستجابة لضغوط حلف الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى المستويات المطلوبة، وانتقد سياسات دونالد ترمب، وأبدى مواقف أكثر انفتاحاً في ملفات المناخ والحرب على غزة. هذه التوليفة من المواقف جعلته هدفاً سهلاً حين جاءت الأزمة.
والأشد إيلاماً أن إسبانيا لم تجد التضامن الأوروبي الذي كانت تتوقعه. فبينما تعاملت المؤسسات الأوروبية مع تدفق المهاجرين عبر حدود بيلاروسيا وبولندا، أو عبر الشريط الفنلندي-الروسي، باعتبارها هجمات هجينة تستوجب الدعم الجماعي، وجدت مدريد نفسها في موقع المتهم لا المتضرر. أعرب سانشيز عن غضبه من هذا الازدواج الصريح، وهو غضب مفهوم في ضوء ما تكشّف لاحقاً من احتمالات التلاعب الخارجي.
فقد بات مسؤولون إسبان وأوروبيون يشتبهون بقوة في أن حسابات إلكترونية مرتبطة بالكرملين أسهمت في تضخيم الأزمة، عبر نشر معلومات مضللة تُوهم المهاجرين بإمكانية العبور الآمن من سبتة إلى قلب أوروبا. إن صحّ هذا التوصيف، فإن ما جرى لم يكن فوضى عفوية، بل عملية مُهندَسة بدقة لاستغلال ثغرات الوحدة الأوروبية.
اليمين المتطرف يحصد ما زرعته الفوضى
أما على الصعيد السياسي الداخلي، فقد كشفت الأزمة عن مأزق بنيوي تعيشه الأحزاب المحافظة التقليدية في أوروبا. فهي تجد نفسها ممزقة بين خيارين متعسّرين: إما مواجهة خطاب اليمين المتطرف بحجج عقلانية تبدو باهتة أمام موجات الخوف الشعبي، وإما تقليده بما يعني التخلي عن هويتها وتغذية الوحش نفسه الذي تسعى إلى كبحه.
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني الأكثر صراحة في هذا السياق، إذ ذهبت إلى حد المطالبة بتعليق عضوية إسبانيا في منطقة شنغن — وهو موقف يعكس كيف باتت الحدود الفاصلة بين اليمين المحافظ التقليدي واليمين الشعبوي المتطرف ضبابية إلى حد يصعب معه التمييز بينهما.
والصورة لا تبدو أكثر طمأنينة حين ينظر المرء إلى المشهد الأوروبي الأشمل:
الخطر الأعمق، كما يتضح من قراءة هذه الأحداث، ليس في موجات الهجرة ذاتها بقدر ما هو في الطريقة التي تُوظَّف بها هذه الأزمات لإعادة تشكيل المشهد السياسي الأوروبي. فقد تحوّلت الهجرة من ملف إنساني وأمني قابل للإدارة إلى ساحة صراع وجودي حول الهوية الوطنية والسيادة ومعنى المشروع الأوروبي نفسه.
في هذا المناخ، يجد كل من ترمب وبوتين فرصة ذهبية لتعميق الشقوق داخل القارة. يوم واحد من الفوضى على حدود سبتة أثبت أن بإمكان حادثة بعينها أن تغير اتجاه النقاش السياسي في قارة بأسرها. وكلما تواصلت هذه الأزمات دون أن تجد أوروبا إجابات مشتركة وموحدة، كان ذلك مصدر ارتياح للقوى التي تراهن على تفكك الاتحاد الأوروبي لا على تماسكه.




