
توحيد الجيش الليبي: بين الزخم الدولي وعقدة الانقسام السياسي
الملف يتحرك من جديد. بعد سنوات من الجمود، عاد مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية إلى الواجهة بزخم لم يشهده من قبل، مدفوعًا بحراك أمريكي غير مسبوق، ودور مصري متجدد، ودعم أممي متصاعد.
لم يكن الوصول إلى هذه اللحظة وليد الصدفة. منذ سنوات، تراكمت تداعيات الانقسام العسكري الليبي لتتجاوز حدود الأزمة الداخلية، إذ باتت ليبيا اليوم عقدة حيوية في ملفات أمن البحر المتوسط والطاقة والهجرة وأمن الحدود الجنوبية ومكافحة الجماعات المتطرفة. وكلما اشتبكت هذه الملفات بمصالح القوى الإقليمية والدولية، كلما ازداد الثمن الذي يدفعه الجميع جراء استمرار وجود مؤسستين عسكريتين ومرجعيات متعددة على أرض واحدة.
في هذا السياق، وعلى مدى أقل من أسبوع واحد، شهد الملف سلسلة تحركات متزامنة ولافتة. انعقدت اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة (3+3)، وحطّ وفد من الكونغرس الأمريكي رحاله في بنغازي ومصراتة، وجرت لقاءات عسكرية في مدينة سرت، فيما أعلن مسؤولون أمريكيون وأمميون أن المسار يشهد تقدمًا ملموسًا، حتى مع استمرار الخلافات حول القضايا الجوهرية.
يعود جذر هذا الحراك إلى تحول عميق في حسابات القاهرة وواشنطن معًا. فمصر، التي تنظر إلى استقرار المؤسسة العسكرية الليبية بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، احتضنت في مدينة العلمين لقاءات جمعت قيادات عسكرية من الشرق والغرب الليبيين بعيدًا عن الضغوط السياسية والميدانية. وفي الوقت ذاته، عزّزت واشنطن انخراطها عبر مسارين متوازيين: سياسي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، وعسكري تضطلع به قيادة أفريكوم.
في الثامن والعشرين من يوليو 2025، زار وفد من أعضاء الكونغرس الأمريكي ليبيا، فالتقى في بنغازي نائب القائد العام لقوات الشرق صدام حفتر، ثم توجّه إلى مصراتة للاجتماع بوكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية الفريق عبد السلام الزوبي. وفي الأثناء، أجرى بولس اتصالًا هاتفيًا برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، تناول دعم جهود توحيد ليبيا وتعزيز التعاون العسكري والأمني بين شطري البلاد.
عقب تلك الزيارة، أعلن بولس أن تصريحات القيادات العسكرية في الشرق والغرب تعكس تقدمًا مهمًا، مرحّبًا بما أُعلن عنه من تفاهمات تشمل إنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة في سرت، وقيادة جوية ليبية موحدة، ومركز وطني لتدريب القوات الجوية في مصراتة. وأشاد أيضًا بنتائج تمرين فلينتلوك 2026 الذي استضافت ليبيا جزءًا منه في سرت، معتبرًا أنه مهّد لاستضافة ليبيا الجزء الرئيسي من التمرين في نسخته لعام 2027.
هذا الخطاب الأمريكي لافت في حد ذاته. للمرة الأولى، ينتقل الحديث من الدعوة إلى الحوار إلى طرح مشاريع تنفيذية تتعلق ببنية المؤسسة العسكرية وآليات عملها. يرى خبير الأمن القومي فيصل بوالرايقة أن هذا التحول يعكس تغيرًا حقيقيًا في البيئة الإقليمية والدولية، وأن استمرار الانقسام لم يعد مريحًا لأحد. ويميّز بوالرايقة بين الحراك الراهن والمحاولات السابقة بثلاثة عناصر: ارتفاع مستوى التواصل بين القيادات العسكرية، ووضوح الدعم الأمريكي والأممي، والانتقال من تثبيت وقف إطلاق النار إلى بحث التعاون والتدريب والتنسيق الفعلي.
على الصعيد الميداني، يبدو العسكريون الليبيون أنفسهم أكثر استعدادًا للتقارب. يقول آمر اللواء (52) التابع لوزارة الدفاع، العميد محمود بن رجب، إن العائق الرئيسي لم يعد عسكريًا بقدر ما هو سياسي، مؤكدًا أن العسكريين قادرون على الاتفاق بشأن قيادة موحدة أو رئاسة أركان موحدة، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في المرجعية السياسية التي ستتبعها هذه المؤسسة. وهنا تحديدًا تقع العقدة الكبرى: لا يمكن بناء جيش موحد في غياب سلطة سياسية موحدة تُشرف عليه.
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا رحّبت بالتقدم الأخير، ولا سيما اجتماع سرت الذي جمع رئيسي الأركان وأعضاء اللجنتين (5+5) و(3+3). وقالت البعثة إن الاجتماع أسفر عن توافقات بشأن إجراءات عملية لبناء الثقة، تشمل التدريب المشترك وتعزيز التنسيق المؤسسي. لكنها شددت في الوقت ذاته على أن ملفات كتوحيد سلسلة القيادة وحوكمة القطاع الأمني لا يمكن حسمها عبر الحوار الفني وحده، بل تستلزم توافقًا سياسيًا واسعًا.
والواقع أن مؤشرات عدة تؤكد أن الطريق لن يكون سهلًا. تعثّر اجتماع كان مقررًا في سرت برعاية أمريكية بين صدام حفتر والزوبي. لا تزال الخلافات داخل لجنة (3+3) قائمة حول آليات استكمال الترتيبات العسكرية وصلاحيات القيادة. والانقسام السياسي بين طرابلس والشرق لم يُحسم بعد.
يلخّص بوالرايقة المشهد بعبارة دقيقة: ليبيا “لم تصل بعد إلى مرحلة الاندماج الكامل، لكنها غادرت نسبيًا مرحلة القطيعة، ودخلت اختبارًا حقيقيًا للنوايا.” النجاح، في نظره، لن يُقاس بالصور والبيانات، بل بما إذا كانت اللقاءات ستتحول إلى لجان فنية وإدارات مشتركة وتنسيق فعلي على الأرض. السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى مفتوحًا: هل تنجح هذه التحركات في تحويل التفاهمات إلى مؤسسة موحدة، أم أنها ستصطدم مجددًا بعقدة الانقسام السياسي التي أسقطت كل المبادرات السابقة؟




