
هيئة الشارقة للكتاب تُرسّخ حضورها في أسواق النشر بأميركا اللاتينية من بوابة ساو باولو
من ساو باولو إلى العالم العربي: جسر ثقافي يتوطّد
في قلب «ديستريتو أنهيمبي» بمدينة ساو باولو، حيث تتلاقى أصوات الناشرين والمؤلفين والوكلاء الأدبيين من كل أصقاع الأرض، نصبت هيئة الشارقة للكتاب جناحها في الدورة الثامنة والعشرين من معرض ساو باولو الدولي للكتاب، التي وصفها المنظمون بأنها الأضخم في تاريخ الحدث، إذ استقطبت 269 عارضاً و350 كاتباً ومؤلفاً على مدى عشرة أيام متواصلة.
لم يكن الحضور الإماراتي في هذه الدورة مجرد مشاركة عابرة، بل امتداد طبيعي لعلاقة راسخة بدأت عام 2018 حين كانت الشارقة أول ضيف شرف عربي في تاريخ هذا المعرض العريق. اليوم، يعود الجناح أكثر نضجاً وأوسع طموحاً، حاملاً معه إصدارات مترجمة إلى البرتغالية، وملفات تفاوضية حول حقوق النشر، وشبكة علاقات تتشعب عاماً بعد عام.
إقبال واسع وحضور دبلوماسي رفيع
أثار الجناح اهتماماً لافتاً من زوار المعرض، ولا سيما إصدارات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، المترجمة إلى اللغة البرتغالية، والتي استقطبت فضول القراء البرازيليين وأثارت نقاشات ثقافية حيّة داخل الجناح.
وزار الجناح سعادة عبدالله يوسف عبدالله شاهين، القنصل العام لدولة الإمارات في ساو باولو، إلى جانب شخصيات ثقافية ورسمية إماراتية وبرازيلية بارزة، مما منح الحضور طابعاً دبلوماسياً يعكس عمق العلاقة بين البلدين في مجال الثقافة والمعرفة.
استراتيجية الحقوق والترجمة: أبعد من أيام المعرض
لا تنظر هيئة الشارقة للكتاب إلى مشاركاتها الدولية بوصفها فعاليات معزولة، بل تعاملها كحلقات متصلة في سلسلة علاقات تُبنى على مدار العام. وفي هذا السياق، عقد ممثلو الهيئة ووكالة الشارقة الأدبية سلسلة لقاءات مهنية مكثفة مع ناشرين ووكلاء أدبيين ومتخصصين في حقوق النشر، تمحورت حول الترجمة وتبادل الحقوق وفرص التوزيع في السوق اللاتينية.
وأوضح سعادة أحمد بن ركاض العامري، الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب، أن العمل في أسواق النشر الدولية يقتضي معرفة متراكمة بالسوق والناشرين والقراء، مؤكداً أن الهدف الحقيقي هو تحويل العلاقات الدولية إلى ترجمات وحقوق وفرص جديدة تخدم الكتاب والمؤلفين والناشرين العرب، وأن تمتد ثمار اللقاءات المهنية إلى ما بعد انتهاء أيام المعرض.
وأضاف العامري أن سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة الهيئة، توجّه الجهود نحو توظيف الرصيد الواسع من الشراكات والخبرات المتراكمة في توسيع حركة الحقوق والترجمة، وبناء شبكات مهنية قادرة على الاستمرار والنمو.
إبراهيم الكوني يصل إلى القارئ البرازيلي
جاء أبرز الإنجازات الملموسة لهذه المشاركة في صورة حدث أدبي بامتياز: صدور روايتَي «التبر» و«نزف الحجر» للكاتب الليبي الكبير إبراهيم الكوني باللغة البرتغالية البرازيلية للمرة الأولى في تاريخهما، وذلك ثمرةً مباشرة لجهود وكالة الشارقة الأدبية في إدارة حقوق أعمال الكوني وتسويقها دولياً.
يمثّل هذا الإصدار نموذجاً حياً على ما يمكن أن تحققه الشراكات المؤسسية الصبورة والمنهجية؛ إذ تعمل الوكالة على فتح أسواق ولغات جديدة أمام الأدب العربي، وربطه بناشرين دوليين قادرين على إيصاله إلى قراء لم يسبق لهم الاطلاع عليه. والكوني، بعالمه الصحراوي الفلسفي العميق، يجد في القارئ البرازيلي أرضاً خصبة لاستقبال هذا الأدب الفريد.
الذكاء الاصطناعي وصناعة الكتاب: نقاش في قلب اللاتينية
شارك تامر سعيد، مدير وكالة الشارقة الأدبية، في جلسة نقاشية بعنوان «العصر الرقمي في سوق النشر»، تناولت تأثير الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتاب، والحاجة الملحّة إلى أطر تنظيمية تحمي حقوق الملكية الفكرية وتصون تنوع الأصوات الإبداعية في عالم النشر.
وتطرّق النقاش إلى واقع السوق العربية، وأهمية التمييز بين توظيف الذكاء الاصطناعي في تأليف المحتوى من جهة، واستخدامه لتطوير عمليات النشر وتنظيمها من جهة أخرى. كما أبرز سعيد ما توفره البنية التحتية الرقمية المتقدمة في الإمارات من فرص استثنائية للاستفادة من هذه التقنيات في خدمة القطاع الثقافي.
الشارقة ونافذتها على العالم
أتاحت الهيئة للمجتمع البرازيلي نافذة حقيقية على المشهد الأدبي والثقافي الإماراتي والعربي، من خلال عرض نخبة من الإصدارات الإماراتية والعربية، والتعريف بالمشروع الثقافي لإمارة الشارقة وأبرز مبادراتها في مجالات الكتاب والنشر والترجمة.
في المحصلة، تواصل هيئة الشارقة للكتاب رسم ملامح حضور عربي راسخ في خريطة النشر العالمية، مؤمنةً بأن الكتاب ليس مجرد منتج ثقافي، بل جسر يربط الحضارات ويُسمع الأصوات التي طالما ظلت بعيدة عن أسواق بعيدة. ومن ساو باولو إلى ما وراءها، تمضي الشارقة في مسيرتها.




