تأجيل محادثات روما بين إسرائيل ولبنان.. وواشنطن تُبقي خيوط الدبلوماسية مشدودة

ثمة لحظات في الدبلوماسية تكشف فيها التفاصيل الصغيرة عن حجم الهشاشة الكبيرة. تأجيل المحادثات بين إسرائيل ولبنان، التي كانت مقررة في روما الأسبوع المقبل، ليس مجرد تعديل في جدول أعمال؛ إنه مؤشر على دقة التوازنات التي ترعاها واشنطن في ملف بالغ الحساسية.

نقل موقع «أكسيوس» الأمريكي عن مسؤول أمريكي رفيع أن جملة من العوامل المتشابكة حالت دون انعقاد الاجتماع في موعده. الأعياد اليهودية، ومؤتمر باريس لدعم القوات المسلحة اللبنانية، والاستعدادات المحمومة للدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كلها عوامل أفضت إلى استحالة تجميع الشخصيات الرئيسية في مكان واحد. المحادثات لم تُلغَ. أُجّلت إلى أكتوبر.

لكن الدبلوماسية لا تتحمل فراغاً. لهذا السبب، أعلن المسؤول الأمريكي ذاته أن السفيرين اللبناني والإسرائيلي سيلتقيان في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع المقبل، لمناقشة التطورات الراهنة ومواصلة تنفيذ اتفاق الإطار المبرم في يونيو الماضي. واشنطن تُمسك بالخيط. لن تتركه ينقطع.

ذلك الاتفاق، الذي جاء ثمرةً لخمس جولات تفاوضية شاقة على الأراضي الأمريكية، يُشكّل اليوم الركيزة الوحيدة للاستقرار. يقضي بنزع سلاح حزب الله، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي التي تحتلها في جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني انطلاقاً من «منطقتين تجريبيتين». أكد المسؤول الأمريكي الجمعة أن هذا الاتفاق «يظل الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق لاستعادة سيادة لبنان وأمن إسرائيل». عبارة بسيطة. ثقلها استراتيجي.

السياق الإقليمي يزيد المشهد تعقيداً. بعد أن شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران في أواخر فبراير الماضي، أقحم حزب الله لبنان في النزاع بإطلاق صواريخه على إسرائيل. هدأت المواجهة لاحقاً إثر التوصل إلى مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن في يونيو، ثم إبرام الاتفاق اللبناني الإسرائيلي. غير أن الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان تكثفت في الأيام الأخيرة، مما يُلقي بظلاله الثقيلة على مسار التفاوض.

وقبل يوم واحد فقط من الإعلان عن التأجيل، دمّر الجيش الإسرائيلي شبكة أنفاق واسعة لحزب الله أسفل مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان. أعقب العملية تسجيل هزة أرضية بقوة 4.1 درجات رصدتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. الأرض تهتز. الدبلوماسية تتماسك.

في نهاية المطاف، ما يجري ليس انهياراً للمسار التفاوضي، بل اختباراً لصلابته. إرجاء روما إلى أكتوبر، مع الحفاظ على التواصل المباشر بين السفيرين في واشنطن، يُجسّد نهجاً براغماتياً يُقدّر الاستمرارية على حساب الرمزية. الاتفاق حيٌّ. والمسار، رغم كل التعقيدات، لا يزال يسير.