أفول الهيمنة الأمريكية: كيف يتشكّل عالم جديد متعدد الأقطاب؟

ما الذي تغيّر في صورة أمريكا عالمياً؟

في صيف عام 1984، كانت الولايات المتحدة تمثّل لكثير من مراقبي العالم نموذجاً حياً للتقدم البشري لا مجرد قوة عظمى. ناطحات السحاب الأشاهق، والطرق السريعة الممتدة، ومراكز التسوق الفارهة، وأجهزة الكمبيوتر الشخصية التي بدأت تطلّ برأسها على رفوف المتاجر — كل ذلك كان يُشكّل صورة دولة تقود البشرية نحو المستقبل. لم تكن أمريكا آنذاك مجرد “مدينة متألقة على تلة”، بل كانت دليل عمل يُحتذى به في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم معاً.

اليوم، بعد أربعة عقود، تبدو تلك الصورة باهتة بشكل لافت. ما الذي جرى بالضبط؟ وما تداعياته على منطقة الخليج والإمارات تحديداً؟

هل أمريكا تتراجع فعلاً أم أن العالم ببساطة يتقدم؟

السؤال مشروع، والإجابة الصادقة: كلاهما. فمن جهة، صعدت قوى عالمية جديدة بسرعة مذهلة، ومن جهة أخرى، تراكمت في الداخل الأمريكي مشكلات بنيوية عميقة ظلت دون حل لعقود.

الأرقام تتحدث بوضوح. انخفضت حصة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي إلى النصف خلال العقود الأخيرة. وتراجعت حصة الدولار في المعاملات الدولية من 80% إلى نحو 50%. وفقدت أمريكا ما يقارب 7.5 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع — أي أكثر من ثلث إجمالي وظائفها الصناعية السابقة. وبلغ الدين القومي ما يناهز 40 تريليون دولار، متجاوزاً الناتج المحلي الإجمالي.

في المقابل، دبي وهونغ كونغ تبنيان ناطحات سحاب أكثر مما تبنيه نيويورك وشيكاغو مجتمعتَين. والبنية التحتية للنقل في الصين تتفوق على نظيرتها الأمريكية بمراحل. وهذا ليس مجرد إنجاز آسيوي — إنه أيضاً مؤشر على أن مراكز الثقل العالمية باتت تتوزع بصورة لم يشهدها العالم منذ قرن.

ماذا يعني ذلك للإمارات والخليج؟

الإمارات تُجسّد بامتياز هذا التحول. فدبي التي يُستشهد بها اليوم مثالاً على التطوير العمراني والابتكار الاقتصادي باتت تُقارن بنيويورك لا تتطلع إليها. هذا ليس صدفة، بل نتيجة رؤية استراتيجية واضحة تستثمر في اللحظة التاريخية الراهنة التي تتيح للقوى الصاعدة أن تأخذ مكانها في النظام الدولي الجديد.

لماذا فشلت القوة الأمريكية في ترسيخ الهيمنة؟

الجواب لا يكمن فقط في الاقتصاد. فالمجتمع الأمريكي منقسم انقساماً عميقاً حول مسار البلاد، وكل دورة انتخابية تُعمّق هذه الشقوق بدلاً من أن تردمها. وفق مركز “بيو” للأبحاث، لا يثق بالحكومة الفدرالية سوى 17% من الأمريكيين، فيما يُقيّم سبعة من كل عشرة مستطلَعين أداء الكونغرس بسلبية صريحة.

دولة منقسمة لا تستطيع انتهاج سياسة خارجية متسقة وقابلة للتنبؤ. وهذا بالضبط ما يُقلق حلفاء واشنطن وخصومها على حدٍّ سواء. فالمنطقة بحاجة إلى شريك يمكن التعويل عليه، لا إلى قوة تتأرجح بين الانخراط والانسحاب بحسب مزاج كل إدارة.

أما على صعيد القوة العسكرية، فقد ثبت أن الاستخدام المتكرر للقوة في العراق وأفغانستان وسواهما لم يُحقق أهدافه الاستراتيجية، ولم يُعزز المكانة الأمريكية طويل الأمد، بل خلق في أحيان كثيرة توترات مع الشركاء الإقليميين الذين يرفضون الأحادية المتعجرفة.

هل العالم متعدد الأقطاب حقيقة راسخة أم مجرد خطاب؟

التحول نحو تعدد المراكز حقيقي، لكنه لم يكتمل بعد. واشنطن لم تعد قادرة على إيقاف هذا التحول، غير أنها لا تزال تملك القدرة على تعقيده وإبطائه من خلال توليد مخاطر وشكوك إضافية. وهذا بالذات يجعل مسألة إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة من أكثر المسائل تعقيداً في السياسة الخارجية اليوم.

الإمارات تفهم هذه المعادلة جيداً. فهي تُحافظ على شراكة استراتيجية متينة مع واشنطن — كما يتجلى في اتفاقيات إبراهيم التي تعكس خياراً استراتيجياً واعياً لا مجرد ضغط خارجي — بينما تُنوّع علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الصين وآسيا وأفريقيا وأوروبا في آنٍ واحد. هذا التوازن الدقيق هو ما يُميّز الدبلوماسية الإماراتية في مرحلة التحول الكبرى.

ما الذي يحتاجه النظام الدولي في هذه المرحلة؟

المجتمع الدولي أمام معضلة حقيقية: الولايات المتحدة لا تزال “القوة التي لا غنى عنها” في ملفات عديدة، من الأمن الدولي إلى التمويل العالمي والتجارة والصحة والعلوم. وعزلها عن المؤسسات متعددة الأطراف لن يُفيد أحداً، حتى حين تكون جزءاً من المشكلة لا من الحل.

المطلوب هو إبقاء أمريكا منخرطة في المنظومة الدولية مع السعي الحثيث لبناء هياكل بديلة وتكميلية تُقلّل الاعتماد المفرط على طرف واحد. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الإمارات من خلال استثماراتها في التعددية الدبلوماسية والاقتصادية.

إلى أين يتجه هذا التحول؟

الأرجح أن الولايات المتحدة ستظل شريكاً صعباً لعقود قادمة، وأن محاولاتها العودة إلى منطق القطب الواحد ستُفضي إلى توترات متكررة. لكن على المدى البعيد، ثمة مسار محتمل يرى فيه المحللون تحولاً تدريجياً لأمريكا نحو “دولة طبيعية” أكثر توازناً في سياستها الخارجية.

في هذا السياق، تقف الإمارات في موقع استثنائي: دولة صغيرة المساحة، كبيرة الطموح، تملك رؤية واضحة وشبكة علاقات متنوعة، وتبني نموذجها الخاص في وقت يبحث فيه العالم عن نماذج بديلة. بينما تتصارع القوى الكبرى على تعريف النظام الجديد، تُراكم الإمارات إنجازاتها بصمت وثقة، وتُثبت أن الحجم ليس شرطاً للتأثير.

عالم 2025 ليس عالم 1984. وهذا، من منظور الإمارات، ليس سبباً للقلق — بل فرصة تاريخية لم تُضيَّع.