
ليبيا: هل يمكن لمجلس عسكري مشترك أن يجسر هوة الانقسام؟
في خضم أزمة سياسية وعسكرية متشعبة الجذور، كشف مختار النقاصة، عضو اللجنة العسكرية المشتركة “5+5”، عن فكرة قد تمثل مخرجاً براغماتياً من المأزق الليبي المزمن، وهي تشكيل مجلس عسكري مشترك يضم ممثلين عن الشرق والغرب، يتولى إدارة التنسيق بين الوحدات العسكرية المتناثرة في أرجاء البلاد، ريثما تتضح معالم حل سياسي شامل.
جاءت هذه التصريحات خلال جلسة حوارية نظمها برلمان شباب ليبيا تحت شعار “نحو توحيد المؤسسة العسكرية”، وهو عنوان يحمل في طياته ثقل المشكلة وعمقها في آنٍ واحد. فالمؤسسة العسكرية الليبية تعاني اليوم من تشتت هيكلي حاد، إذ تتوزع مراكز القيادة بين رئاسة أركان في الشرق وأخرى في الغرب، فضلاً عن قيادات عسكرية متعددة تنتشر في مناطق مختلفة من البلاد.
وأوضح النقاصة أن طبيعة المؤسسة العسكرية تقوم في جوهرها على التسلسل القيادي الموحد، وهو ما يجعل الوضع الراهن في ليبيا متناقضاً مع المنطق المؤسسي العسكري برمته. غير أنه لم يُغفل الإشارة إلى أن الانقسام العسكري ليس إلا انعكاساً للانقسام السياسي الأعمق، مما يعني أن أي توحيد عسكري حقيقي لن يكون ممكناً قبل حسم المعادلة السياسية.
ولا تأتي هذه القناعة من فراغ، إذ استند النقاصة إلى تجربة شخصية مباشرة حين شارك في لجنة سابقة لتوحيد المؤسسة العسكرية، عقدت ما بين خمسة وستة اجتماعات بحضور ممثلين من الشرق والغرب. وقد نجحت تلك الاجتماعات في صياغة آليات تقنية واعدة، لكنها اصطدمت بجدار صلب حين وصلت إلى الملفات الأكثر حساسية، وهي تحديد القائد العام ووزير الدفاع ورئيس الأركان. عند هذه النقطة بالذات تعثر المسار وتوقف.
من هنا تبرز قيمة مقترح المجلس العسكري المشترك بوصفه صيغة مرحلية لا بديلاً نهائياً، إذ يهدف إلى سد الفراغ التنسيقي الراهن دون الادعاء بأنه يحل الإشكال السياسي الجذري. إنه رهان على إدارة الانقسام بدلاً من إنكاره، في انتظار ظروف أكثر نضجاً تتيح التوحيد الفعلي.
وربط النقاصة مسار التوحيد الكامل بإجراء انتخابات تُفرز رئيساً منتخباً وسلطة تنفيذية تستند إلى شرعية شعبية، معتبراً أن هذا المدخل وحده هو الكفيل بوضع هرم قيادي واضح يلتزم به العسكريون. وحذّر في المقابل من أن محاولة فرض توحيد عسكري قبل إجراء الانتخابات قد تُطيل أمد الأزمة وتُعمّق الانقسام بدلاً من معالجته.
وفي هذا السياق، وجّه النقاصة نداءً صريحاً إلى الشباب الليبي والنخب الوطنية وأعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وبعثة الأمم المتحدة، داعياً جميع الأطراف إلى دعم مسار الانتخابات والتعامل معه باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء الانقسام وتهيئة الظروف الملائمة لبناء دولة موحدة المؤسسات. يتقاطع هذا التوجه مع اهتمام دولي متصاعد بالملف الليبي، تجلّى مؤخراً في زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي لبنغازي وطرابلس، وفي تصريحات مستشار الرئيس ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، الذي أشار إلى تقدم ملموس في تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب.
خلاصة القول إن المشهد الليبي يقف اليوم عند مفترق طرق دقيق: فالتوحيد العسكري الكامل يبقى هدفاً بعيد المنال في غياب التوافق السياسي، لكن فكرة المجلس العسكري المشترك تقدم نفسها جسراً نحو مرحلة انتقالية أكثر استقراراً، شريطة أن تتوافر الإرادة السياسية الكافية لتحويلها من مقترح إلى واقع.




