
خريطة طريق غزة: اتفاق معلّق بين موافقة حماس والرفض الإسرائيلي
تكشف خريطة الطريق التي أصدرها مجلس السلام الخاص بغزة عن حقيقة دبلوماسية بالغة الدلالة: الفجوة بين الإعلان والتنفيذ لا تزال شاسعة، وأن الاتفاق المُعلن يواجه اختباراً وجودياً قبل أن يتحوّل إلى واقع ميداني. فبينما رحّبت حركة حماس علناً بمقترحات الوسطاء، يتمسّك المسؤولون الإسرائيليون بشروط مسبقة تجعل التقدم الفعلي رهيناً بمعادلة شبه مستحيلة في أفق زمني قريب. هذا التناقض ليس مجرد خلاف تقني على البنود، بل هو تعبير عن رؤيتين استراتيجيتين متعارضتين حول مستقبل غزة برمّته.
وثيقة مجلس السلام، التي صدرت الجمعة الماضية تحت عنوان “خريطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس ترمب الشاملة للسلام في غزة”، تتضمّن خمسة عشر مبدأً تنفيذياً تشمل الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وتمكين لجنة وطنية فلسطينية من إدارة القطاع، وإنشاء آلية تحقق دولية مستقلة. والأهم من ذلك أن الوثيقة تربط الانتقال من مرحلة إلى أخرى بالتحقق من استكمال المرحلة السابقة، وهو شرط يبدو منطقياً على الورق لكنه يمنح كل طرف حق النقض الضمني على مسار التسوية بأكمله. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الاتفاق يمثّل “انفراجة عظيمة”، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية ستنسحب بالتوازي مع تقدم عملية نزع السلاح وانتشار قوة استقرار دولية، فيما وصف وزير الخارجية ماركو روبيو موافقة حماس على ملف السلاح بأنه إنجاز دبلوماسي بارز.
جدار الرفض الإسرائيلي
غير أن الموقف الإسرائيلي يُعقّد هذه الصورة تعقيداً جوهرياً. لم تصدر عن الحكومة الإسرائيلية أي موافقة رسمية على الوثيقة، بل أكد المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء دورون سبيلمان لموقع “جويش إنسايدر” أن تل أبيب أبلغت واشنطن رسمياً بأن الاتفاق المعلن لا يعكس مخاوفها الأمنية. الموقف الإسرائيلي يتمحور حول شرط واحد لا تنازل عنه: نزع سلاح حماس الكامل والفعلي قبل أي انسحاب عسكري. وذهب سبيلمان إلى أبعد من ذلك بالإشارة إلى أن تل أبيب تسعى لتزويد ترمب بمعلومات استخباراتية تُثبت أن حماس تواصل حفر الأنفاق وإعادة التسلح، في محاولة واضحة لتقويض الزخم الدبلوماسي الأمريكي. وقد كشفت تسريبات أن مباحثات نتنياهو الأخيرة في واشنطن ركّزت على الملف الإيراني دون أن تتطرق لغزة، مما يُلقي بظلاله على مدى الجدية الإسرائيلية في هذا المسار. وفي الجناح المتشدد من الائتلاف الحاكم، أعلن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رفضه الصريح للاتفاق، مطالباً بمواصلة الاغتيالات وتشجيع هجرة الفلسطينيين، في حين كرّر السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون رفضه المطلق لإقامة دولة فلسطينية.
حماس من جهتها تتعامل بإيجابية مع الوثيقة، لكن قيادتها تضع شرطاً مقابلاً لا يقل صرامة: أي نقاش حول سلاح المقاومة الثقيل مرهون تماماً بتنفيذ إسرائيل لالتزامات المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ، بما يشمل وقف القتل والانسحاب وفتح المعابر. والبند الثامن من الوثيقة، الذي حصلت عليه الجزيرة نت، ينص على أن تتولى اللجنة الوطنية إدارة ملف السلاح تدريجياً وفق جدول زمني يُستكمل إعداده خلال أربعة عشر يوماً قابلة للتمديد، وهو صياغة مرنة تتيح لكل طرف تأويلاً مختلفاً. أما حركة الجهاد الإسلامي فتُبدي تحفظاً أعمق، إذ يصف ناطقها محمد الحاج موسى الصيغة المعلنة بأنها عامة وتفتقر إلى ضمانات ملزمة، مؤكداً الفرق الجوهري بين نزع السلاح القسري وحصره وتخزينه ضمن اتفاق فلسطيني داخلي.
على أرض الواقع، تستمر الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025، إذ سقط قتلى وجرحى في غارات على تجمعات مدنية في القطاع خلال الأيام الماضية وحدها. ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أسفرت الخروق الإسرائيلية عن مقتل أكثر من ألف ومئتي فلسطيني وإصابة ما يقارب أربعة آلاف آخرين، غالبيتهم من الأطفال والنساء. ويرى الباحث محمد شحادة من المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية أن نتنياهو لن يسمح بأي انسحاب حقيقي مع اقتراب الانتخابات التشريعية في أكتوبر المقبل، معتبراً ذلك “انتحاراً سياسياً” في السياق الداخلي الإسرائيلي. الرهان الأمريكي على هذه الخريطة حقيقي وله ثقله الدبلوماسي، لكن ما يُحدد مصيرها في نهاية المطاف ليس ما تنص عليه بنودها، بل مدى استعداد إسرائيل للسير فيها بجدية — وهو استعداد لا تُظهره المؤشرات الراهنة بعد.




