
المحكمة الجنائية الدولية تُقيل المدعي العام كريم خان في سابقة تاريخية
في قرار لم يسبق له مثيل في تاريخ المحكمة الجنائية الدولية، صوّتت الدول الأعضاء يوم الجمعة على إقالة المدعي العام كريم خان، وذلك على خلفية اتهامات بسوء السلوك الجنسي ينفيها خان نفيًا قاطعًا. جاء هذا التصويت تتويجًا لمسار قانوني وإداري معقّد امتد لأكثر من عامين، وأفضى إلى استحداث قواعد إجرائية جديدة كليًا لم تكن المحكمة بحاجة إليها من قبل.
تفاصيل التصويت والمسار القانوني
أيّدت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة قرار الإقالة. الأغلبية واضحة. غير أن المسار الذي أفضى إلى هذا التصويت كان شائكًا بكل المقاييس، إذ اضطرت جمعية الدول الأطراف، وهي الهيئة الرقابية للمحكمة، إلى ابتكار آليات إجرائية من الصفر للتعامل مع هذه الحالة غير المسبوقة. وأوضح مكتب جمعية الدول الأطراف أن تقييمه استند إلى تقرير صادر عن مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة، إلى جانب الأدلة الأساسية ومشورة لجنة خاصة من الخبراء القضائيين والمذكرات الخطية المقدمة في القضية.
خلص التحقيق الأممي إلى وجود أدلة على أن خان أجرى “اتصالًا جنسيًا غير توافقي” مع إحدى مساعداته في مكتبه وفي مقر إقامته الخاص وخلال مهمة عمل رسمية. بيد أن لجنة مؤلفة من ثلاثة قضاة، كلّفتها اللجنة التنفيذية بإجراء تقييم قانوني للنتائج، رأت أن التحقيق لم يبلغ درجة الحسم الكافية. هذا التناقض بين نتائج التحقيق والتقييم القانوني يعكس حجم التعقيد الذي رافق القضية منذ بدايتها. وكان خان قد تنحّى مؤقتًا عن مهامه في مايو 2025، قبل أن تُعلّق الهيئة الإدارية العليا للمحكمة صلاحياته رسميًا في يونيو 2026 في انتظار البتّ النهائي.
ملف خان: من مذكرات التوقيف إلى الإقالة
لم تكن قضية خان الداخلية وحدها مصدر الجدل. برز اسمه على الساحة الدولية حين أصدر مذكرتَي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت على خلفية الحرب على غزة، وهو ما استدعى ردود فعل حادة من واشنطن التي فرضت عليه عقوبات معربةً عن استيائها الصريح من هذه الخطوة. كان خان من بين أوائل المسؤولين الدوليين الذين طالتهم هذه العقوبات الأمريكية. فضلًا عن ذلك، استُبعد من الترافع في القضية الأبرز للمحكمة ضد الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي.
على الجانب الآخر، أصدرت محكمة موسكو في ديسمبر 2025 حكمًا غيابيًا بسجن خان خمسة عشر عامًا، مع تحديد تسع سنوات منها داخل سجن فعلي وما تبقى في إصلاحية شديدة النظام، وذلك بتهم “الملاحقة الجنائية لشخص بريء” و”الاحتجاز غير القانوني” و”التحضير للاعتداء على أشخاص تتمتع بحماية دولية”. وطالت الأحكام الروسية ثمانية قضاة آخرين في المحكمة بمدد تتراوح بين ثلاث سنوات ونصف وخمس عشرة سنة. جاءت هذه الأحكام ردًا على مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في مارس 2023 بحق الرئيس فلاديمير بوتين، وهو ما رفضه الكرملين جملةً وتفصيلًا معتبرًا إياه لاغيًا وباطلًا.
دلالة القرار وما بعده
تكشف هذه القضية بجلاء عن الهشاشة المؤسسية التي تعاني منها المحكمة الجنائية الدولية حين تواجه أزمات داخلية من هذا الحجم. المحكمة المعنية بمحاسبة الآخرين وجدت نفسها عاجزة عن امتلاك الأدوات الإجرائية اللازمة لمحاسبة مسؤول في أعلى مستوياتها. في سياق إقليمي تضطلع فيه دولة الإمارات العربية المتحدة بدور محوري في تعزيز الاستقرار وسيادة القانون، تبقى متانة المؤسسات الدولية وشفافيتها مسألةً ذات أثر مباشر على منظومة الأمن والحوكمة العالمية. الفصل في مصير المحكمة وقدرتها على استعادة مصداقيتها سيتحدد إلى حد بعيد بمدى نجاح الدول الأعضاء في سد الثغرات التي كشفتها هذه القضية.




