
فوز إسبانيا على الأرجنتين في كأس العالم: أبعاد رياضية أم رسائل سياسية؟
لماذا تجاوز النهائي حدود الملعب؟
حين رفع لامين يامال العلم الفلسطيني احتفالاً بلقب الدوري الإسباني، وحين انطلقت صيحات الفرح من خيام النازحين في غزة إثر فوز إسبانيا بكأس العالم، بات واضحاً أن المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين قد تجاوزت أبعادها الرياضية لتكتسب ثقلاً سياسياً لافتاً. وصفت الأكاديمية دلال عريقات هذا المشهد بدقة عبر منصة “إكس”، مؤكدةً أن الملايين من الفلسطينيين، من شوارع القدس إلى تلال رام الله، شجعوا المنتخب الإسباني بوصفه رمزاً لشيء أعمق من مجرد كرة القدم. ففي أرضٍ تُقاس فيها يوميات الحياة بحجم الفقد، استحالت مباراة إلى ومضة عابرة من الأمل والوحدة والإنسانية المشتركة. غير أن فهم هذه الظاهرة يستلزم استيعاب المشهد السياسي الذي أحاط بالبطولة من جوانبه كافة.
ما الذي يجعل إسبانيا والأرجنتين طرفَي معادلة سياسية؟
يرتبط التأييد العالمي الواسع للمنتخب الإسباني ارتباطاً وثيقاً بمواقف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، الذي لم يتردد خلال السنوات الأخيرة في الإدانة الصريحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، مطالباً بفرض عقوبات على حكومة بنيامين نتنياهو. وفي عام 2024، وقفت إسبانيا في طليعة الدول الأوروبية التي اعترفت رسمياً بالدولة الفلسطينية، إذ صرّح سانشيز أمام البرلمان بأن “الوقت قد حان للانتقال من القول إلى الفعل”. في المقابل، يقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي على النقيض الأيديولوجي التام، إذ أعلن في مناسبات عدة فخره بكونه “الرئيس الأكثر صهيونية في العالم”، وسارع عقب توليه السلطة إلى توثيق التحالف مع إسرائيل عبر ما بات يُعرف بـ”اتفاقيات إسحاق”. وهكذا وجد المشجعون حول العالم أنفسهم أمام خيار يتجاوز الولاءات الرياضية.
كيف انعكس هذا الاستقطاب على نجمَي الفريقين؟
تجلّى الاستقطاب السياسي حتى في تصرفات نجمَي الفريقين. فليونيل ميسي زار إسرائيل في مناسبات عدة، وتولّى منصب سفير لشركتَي التكنولوجيا الإسرائيليتين “سيرين لابس” و”أوركام”، وهو موقف يتعارض تعارضاً صارخاً مع إرث أسطورة الكرة الأرجنتينية الراحلة دييغو مارادونا، الذي أعلن صراحةً: “أنا فلسطيني في صميم قلبي”. أما لامين يامال، نجم المنتخب الإسباني، فقد رفع العلم الفلسطيني إثر فوز برشلونة بالدوري، مما استدعى ردود فعل حادة من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي وصف الفعل بأنه “تحريض على الكراهية ودعم للإرهاب”. غير أن سانشيز دافع عن يامال بحسم، مؤكداً أنه “عبّر ببساطة عن تضامن يشاركه فيه ملايين الإسبان”. وقد أضفى هذا التبادل العلني بُعداً إضافياً على الشحن العاطفي الذي سبق المباراة النهائية.
ما تاريخ الأرجنتين مع هذا الملف؟
لا يمكن قراءة الموقف الأرجنتيني الراهن بمعزل عن سياقه التاريخي. فقد حافظت الأرجنتين تاريخياً على موقف محايد إزاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويعود ذلك إلى تركيبتها الديموغرافية الفريدة؛ فهي تحتضن أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية، تتجاوز 300 ألف نسمة، فضلاً عن نحو 360 ألف مهاجر سوري ولبناني ينحدرون من موجات “المهجر” في أواخر الحقبة العثمانية. ويفسّر ثقل هاتين الجاليتين امتناع الأرجنتين عن التصويت على خطة تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة عام 1947. وفي عام 2010، كسرت الرئيسة كريستينا فرنانديز هذا الحياد باعترافها بالدولة الفلسطينية في خطوة منسقة مع دول لاتينية عدة. أما في عهد ألبرتو فرنانديز عام 2020، فقد تبنّت الأرجنتين تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” لمعاداة السامية، الذي يُسوّي بين أي نقد لإسرائيل وبين الأفعال المعادية للسامية.
ماذا غيّر ميلي في السياسة الخارجية الأرجنتينية؟
مع تولي خافيير ميلي الرئاسة في ديسمبر 2023، شهدت السياسة الخارجية الأرجنتينية تحولاً جذرياً بمقدار 180 درجة. فقد عيّن ميلي، الذي أعلن رغبته في اعتناق الديانة اليهودية، مرشده الروحي الحاخام أكسل واهنيش سفيراً لبلاده لدى إسرائيل، وأعلن نيته نقل السفارة الأرجنتينية من تل أبيب إلى القدس على غرار ما فعله دونالد ترامب. وخلال زيارته الأخيرة في أبريل 2026، أبرم ميلي مع نتنياهو “اتفاقيات إسحاق” التي تهدف، نظرياً، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي في قطاعَي التكنولوجيا والدفاع بين إسرائيل وأمريكا اللاتينية، غير أنها تُمثل عملياً أداةً لتلميع الصورة الإسرائيلية المتضررة في الرأي العام اللاتيني. وتشكّل الكنائس الإنجيلية المتنفذة ركيزةً أساسية في هذه الإستراتيجية، إذ تتبنى دعم إسرائيل استناداً إلى تفسيرات لاهوتية ترى في استعادة “أرض إسرائيل” توطئةً لعودة المسيح.
هل يعكس المنتخب الأرجنتيني موقف شعبه؟
ثمة فارق جوهري ينبغي الإشارة إليه بوضوح: لا يعكس المنتخب الأرجنتيني بالضرورة توجهات الشعب الأرجنتيني. فقد أظهرت استطلاعات رأي متعددة أن 72% من المواطنين الأرجنتينيين يفضلون العودة إلى موقف الحياد التقليدي، في حين لا يؤيد التحالف المطلق مع الولايات المتحدة وإسرائيل سوى 15% منهم. والأكثر دلالةً أن 55% من الأرجنتينيين يحملون انطباعاً سلبياً عن إسرائيل، في مقابل 21% فقط يُبدون تعاطفاً معها. وتُجمع الغالبية العظمى على ضرورة انصراف ميلي لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، بدلاً من الانغماس في تحالفات إقليمية مثيرة للجدل. وهذا الفصل بين مواقف الحكومة وتوجهات الشعب يُعدّ ضرورياً لفهم المشهد كاملاً دون تعميم مُخلّ.
ما الذي يمكن استخلاصه في نهاية المطاف؟
يمكن قراءة تتويج إسبانيا بكأس العالم على أنه لحظة رمزية تتشابك فيها خيوط الرياضة والسياسة والهوية. فمن جهة، احتفل المؤيدون للقضية الفلسطينية بالفوز الإسباني بوصفه هزيمةً رمزية لمن ساند المنتخب الأرجنتيني من قادة سياسيين، في مقدمتهم نتنياهو وترامب اللذان نشرا مقاطع مصورة وهما يرتديان القميص الأرجنتيني. ومن جهة أخرى، تبقى كرة القدم في جوهرها رياضةً تتجاوز الحسابات السياسية، ولا يمكن اختزال أداء المنتخبين في إطار الصراعات الجيوسياسية وحدها. ما يمكن قوله بثقة هو أن هذه البطولة كشفت عن عمق الاستقطاب الدولي حول قضايا الشرق الأوسط، وأن الرياضة باتت فضاءً يُعبّر فيه الناس عن مواقف تتجاوز الملاعب، في عالم تتداخل فيه حدود الرياضة والسياسة والهوية بصورة متزايدة.




