جنازة خامنئي ومستقبل هرمز: التوترات تتصاعد ومصير الملاحة الدولية في الميزان

مراسم التشييع تتواصل في طهران وسط أزمة دبلوماسية متصاعدة

تواصل إيران مراسم تشييع مرشدها الراحل علي خامنئي وسط حالة من الغليان الدبلوماسي المتصاعد حول مستقبل مضيق هرمز، ذلك الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية، في مشهد يكشف عن تشابك عميق بين السياسة الداخلية الإيرانية ومصالح الملاحة الدولية التي تمس الاقتصاد العالمي في صميمه.

وتوافد عشرات الآلاف من الإيرانيين، السبت، إلى مصلى طهران الكبير لإلقاء نظرة الوداع على نعش خامنئي، بعد أكثر من أربعة أشهر على مقتله في مطلع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ارتدى المشيعون ملابس سوداء وتدثروا بالعلم الإيراني، حاملين لافتات عليها صور خامنئي وابنه وخليفته المرتقب مجتبى خامنئي، فيما تستمر مراسم التشييع التي انطلقت الجمعة حتى التاسع من يوليو الجاري.

واشنطن تمنح طهران أسبوعاً من الهدنة

في هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن واشنطن أمهلت طهران أسبوعاً قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، مراعاةً لمراسم تشييع المرشد الراحل، مضيفاً بلهجة تجمع بين الحدة والبراغماتية: “فعلنا ذلك من منطلق لطفنا”. وأكد ترمب أنه يتابع المراسم عن كثب، مشيراً إلى أن الإيرانيين “يتوسلون لإبرام اتفاق”، غير أنه لفت إلى مفارقة لافتة، إذ قال إنه فوجئ برؤية إيرانيين يبكون في الجنازة، معرباً عن اعتقاده السابق بأن “الناس كانوا يكرهونه”.

وأكد ترمب في تصريح لموقع أكسيوس أن الطرفين قررا “أخذ استراحة لمدة أسبوع من المحادثات إلى حين انتهاء مراسم التشييع”، مؤكداً أنه لن يطلق أي من الطرفين النار على الآخر خلال هذه الفترة.

طهران تحذر من أي تحرك عسكري في هرمز

على خط موازٍ، أطلقت طهران تحذيرات صريحة في مواجهة الإعلان البريطاني الفرنسي المشترك عن نشر قوات بحرية متعددة الجنسيات لدعم حرية الملاحة في المضيق. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن هرمز “ليس ساحة استعراض عسكري للقوات غير الإقليمية”، مؤكداً أن الدول الساحلية المطلة على المضيق هي المسؤولة الوحيدة عن ضمان أمنه.

وأضاف في لهجة لا تخلو من الحسم: “بصفتنا القوة المسؤولة والضامنة لأمن مضيق هرمز، نحذر من أي تحرك عسكري فيه، وكل من يحاول إثارة الأزمات سيتحمل تداعيات مغامراته. هذا تحذير جاد.”

التحرك الفرنسي البريطاني بموافقة عُمانية

ويبدو أن الشرارة التي أشعلت الغضب الإيراني هي البيان المشترك الصادر الجمعة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي أشار صراحةً إلى أن سلطنة عُمان وافقت على العمل مع المملكة المتحدة وفرنسا لضمان سلامة الملاحة في مياهها الإقليمية. وأعلن ماكرون أن بلاده نشرت في المنطقة وسائل متخصصة في إزالة الألغام، تشمل كاسحتَي ألغام وفرقاطتين وطائرة دورية بحرية، معلناً جاهزية هذه القدرات للإسهام في “الاستئناف الكامل لحركة الملاحة وضمان أمن المرور في مضيق هرمز”.

والجدير بالذكر أن سلطان عُمان هيثم بن طارق كان قد أكد في البيان المشترك مع فرنسا، في ختام زيارته لباريس الأسبوع الماضي، الالتزام بحرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيدة، بما في ذلك حق المرور العابر وفقاً لقانون البحار. موقف عُماني حازم يعكس رؤية استراتيجية ناضجة تحرص على صون استقرار المنطقة وحرية التجارة الدولية.

مناورة “بدل الخدمات” الإيرانية

في مواجهة الرفض الأمريكي والخليجي والدولي لفرض أي رسوم على عبور السفن في هرمز، تلجأ طهران إلى مصطلح بديل. فقد صرّح السفير الإيراني لدى الصين عبد الرضا رحماني فضلي، خلال مشاركته في منتدى السلام العالمي ببكين، بأن إيران ستفرض ما أسماه “بدل خدمات” بصفتها دولة تقع جزء من مياهها الإقليمية في المضيق، مع منح ما وصفها بالدول الصديقة معاملة “خاصة” في هذا الشأن.

وأشار السفير إلى أن بلاده تعمل “بتعاون وتنسيق” مع سلطنة عُمان على “ترتيبات جديدة” لهذا الممر الحيوي. غير أن مصادر عُمانية أكدت أن مسقط لم تقدم حتى الآن مقترحاً رسمياً في هذا الشأن، رغم استمرار المشاورات.

وكانت المتحدثة باسم البيت الأبيض قد أكدت أن ترمب رفض قطعياً إمكانية فرض إيران رسوماً على المرور، باعتبار هرمز ممراً مائياً دولياً. فيما نقل موقع أكسيوس عن مصادر أن مبعوثي ترمب يعملون على إيصال رسالة إلى طهران مفادها أن مطالب الرسوم قد تنسف فرص التوصل إلى اتفاق شامل.

مقترح إيراني عُماني مشترك

كشفت شبكة NBC News الأمريكية، نقلاً عن أربعة مصادر مطلعة، أن إيران وسلطنة عُمان قدّمتا إلى الولايات المتحدة مقترحاً يتناول آلية مشتركة لإدارة مضيق هرمز، يتضمن إدارة ثنائية بين طهران ومسقط مع فكرة تحصيل رسوم إدارية. وأشار مصدر مطلع إلى أن المفاوضين الأمريكيين لديهم تحفظات على المقترح، لكنهم يعتزمون مناقشته مع الجانب العُماني، مع اعتقادهم بإمكانية معالجة النقاط الخلافية.

وأكد المصدر ذاته أن مسقط ملتزمة بضمان حرية الملاحة دون فرض رسوم عبور إلزامية، وهو موقف يتسق مع الثوابت الاستراتيجية لسلطنة عُمان التي دأبت على الحفاظ على انفتاح هذا الممر الحيوي أمام التجارة الدولية.

اضطرابات الملاحة تكشف هشاشة الوضع

على الصعيد الميداني، تكشف بيانات الملاحة البحرية عن صورة تعكس عمق الأزمة. فقد رصدت وكالة بلومبيرغ عودة ثماني سفن على الأقل أدراجها فجأة قبالة الساحل العُماني قبل دخول المضيق، بعد تغيير مساراتها بين يومَي الجمعة والسبت أثناء محاولتها مغادرة الخليج العربي.

هرمز وباب المندب: ورقتا ضغط استراتيجيتان

في هذا الإطار، وصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف مضيق هرمز بأنه أصبح بالنسبة لإيران “سلاحاً لا يقل قوة عن السلاح النووي”، مشيراً إلى أن لدى طهران “سلاحاً احتياطياً” يتمثل في مضيق باب المندب، حيث شنّت جماعة الحوثيين هجمات متكررة على السفن التجارية في البحر الأحمر.

يبقى مضيق هرمز في قلب معادلة بالغة الدقة والتعقيد، تتشابك فيها مصالح الملاحة الدولية، وأمن إمدادات الطاقة العالمية، والتوازنات الجيوسياسية الإقليمية. ومن المؤكد أن ما تشهده الأيام المقبلة من مفاوضات ستحدد ملامح الترتيبات التي ستحكم هذا الممر الحيوي لعقود مقبلة.