
بزشكيان في الأمم المتحدة: ورقتا هرمز والنووي في مواجهة حقائق تكشفها أذرع طهران
خطاب يصطدم بالواقع
في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، سعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تقديم بلاده في صورة الطرف المظلوم، متجاهلاً سجلاً موثقاً من التدخلات العسكرية وشبكات الوكالة التي تزعزع استقرار المنطقة، وتهدد أمن دول الجوار والممرات البحرية الحيوية التي تربط اقتصادات العالم ببعضها. وقد جاء الخطاب محملاً بادعاءات تناقضها تصريحات علنية صادرة، في التوقيت ذاته تقريباً، عن مسؤولين في مليشيات الحوثي المرتبطة بطهران ارتباطاً عضوياً.
زعم بزشكيان أن إيران «لم تعتدِ على أي بلد»، وأنها «لا تزعزع استقرار المنطقة وأمنها»، وأنها تريد لجيرانها أن يكونوا أقوياء. لكن هذه الكلمات لم تكد تُلقى حتى كشف العميد عابد محمد الثور، مستشار وزارة الدفاع التابعة للحوثيين، في مقابلة مع وكالة فرانس برس، عن حجم التنسيق العسكري الوثيق الذي يربط مليشياته بطهران وبحزب الله في لبنان في منظومة واحدة.
اعترافات الحوثيين تفضح الرواية الإيرانية
لم يتردد الثور في توصيف هذا التحالف بأدق تفاصيله، إذ أكد أن «المليشيات وإيران حلف واحد وجسد واحد»، مضيفاً أن ثمة «إدارة واحدة للمعركة» تجمع الأطراف الثلاثة، وأن تبادل المعلومات الاستخباراتية يجري بصورة منتظمة. بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن صراحةً أن الحوثيين لن يسمحوا باستخدام أجوائهم أو مياههم أو البحر الأحمر أو خليج عدن أو بحر العرب لأي عملية تستهدف إيران، في تعهد يكشف عمق الترابط الاستراتيجي بين هذه الأذرع ومرشديها في طهران.
هذه الاعترافات لا تتناقض مع خطاب بزشكيان وحسب، بل تضع المجتمع الدولي أمام صورة أوضح بكثير مما تحاول طهران رسمه من على منبر الأمم المتحدة.
ورقتا الضغط: هرمز والنووي
تمسك بزشكيان في خطابه بالورقتين اللتين تمثلان أدوات الضغط الإيرانية الرئيسية في أي مسار تفاوضي، وهما مضيق هرمز والملف النووي. وأكد أن إيران «لا يمكنها السماح للبعض باستخدام الممرات البحرية في مضيق هرمز لتحقيق مصالحهم»، في رسالة لا تخطئها الدول المطلة على الخليج ولا شركاؤها التجاريون.
وكان مسؤول إيراني قد أعلن قُبيل الخطاب أن طهران مستعدة لإعادة فتح هرمز خلال أسبوع، غير أن هذا العرض جاء مشروطاً بتخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، مما يجعل حرية الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية حيوية في العالم رهينةً لمسار التفاوض. هذا النهج يعكس بوضوح أسلوباً إيرانياً متكرراً يتخذ من البنية التحتية الإقليمية المشتركة أداةً للمساومة.
مفاوضات غير مباشرة على هامش نيويورك
يأتي خطاب بزشكيان في سياق دبلوماسي بالغ الدقة، إذ تجري في الوقت ذاته اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران على هامش اجتماعات الجمعية العامة. وأفاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن اجتماعاً امتد نحو ثلاث ساعات جمع مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، واصفاً إياه بأنه «جيد جداً»، فيما أبدى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف تفاؤلاً حذراً بإمكانية التوصل إلى نتائج بناءة.
هذا الانفتاح الدبلوماسي المحدود لا يعني بالضرورة تحولاً جوهرياً في الحسابات الإيرانية، بل ربما يعكس في جزء منه رغبة طهران في تخفيف الضغط الاقتصادي مع الإبقاء على أوراق الضغط الإقليمية كاملةً في يدها. والمشهد الكامل — من خطاب بزشكيان إلى اعترافات الحوثيين إلى المفاوضات الجارية في الكواليس — يرسم صورة لإيران تتحدث بلغتين في آنٍ واحد.
النقاط الجوهرية في هذا المشهد
المشهد في مجمله يعكس استراتيجية إيرانية راسخة تقوم على الفصل بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة الميدانية، وهي استراتيجية تستدعي من دول المنطقة ومن المجتمع الدولي قراءةً تتجاوز الكلمات إلى الأفعال، وتُقيّم المواقف الإيرانية بمعيار ما تفعله أذرعها لا بما يعلنه رئيسها من على منبر الأمم المتحدة.




