الحوسبة الفضائية وثروات الذكاء الاصطناعي: هل يعيد إيلون ماسك رسم مستقبل البشرية؟

من موظفين إلى مليونيرات: قصة إدراج سبيس إكس

تحوّل 4400 موظف حالي وسابق في شركة “سبيس إكس” إلى مليونيرات بين عشية وضحاها فور إدراج أسهم الشركة في البورصة، فيما تجاوزت ثروات 400 شخص منهم حاجز المئة مليون دولار، وبلغت ثروات كبار التنفيذيين مستوى المليار دولار.

وتراوحت أسعار خيارات الأسهم قبيل الإدراج بين 37 و42 دولاراً للسهم، لترتفع إلى 135 دولاراً عند الإدراج، محققةً مكسباً يتجاوز 90 دولاراً للسهم الواحد. أما مؤسس الشركة إيلون ماسك، فقد غدا بذلك أول تريليونير في التاريخ، بثروة اقتربت من 1.2 تريليون دولار.

تتوزع ثروة ماسك بين 882 مليار دولار حصته في “سبيس إكس” (42% من الأسهم)، و291 مليار دولار حصته في “تسلا” (12%)، إضافة إلى نحو 10 مليارات دولار في شركات أخرى. وقد تضاعفت هذه الثروة 84 مرة منذ عام 2017، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الوظائف وحدود الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي: إجماع على الأهمية وجدل حول المخاطر

في قراءة تحليلية معمّقة لهذه التحولات عبر برنامج “بزنس مع لبنى” على “سكاي نيوز عربية”، أكد عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في “G&K”، أن لا خلاف اليوم على أهمية الذكاء الاصطناعي، سواء من حيث فوائده أو المخاطر التي يفرضها على البشرية.

وأوضح جلال أن الجدل الحقيقي لا يدور حول هذه الأهمية، بل حول كيفية التعامل مع مخاطره. واستشهد بخطاب جيفري هينتون، الملقب بـ”الأب الروحي للذكاء الاصطناعي”، عند تسلّمه جائزة نوبل عام 2024، حين دعا العالم إلى ضرورة حوكمة هذه التقنية.

تقييم سبيس إكس: رهان على الحوسبة الفضائية لا على الأرباح الحالية

شدّد جلال على أن “سبيس إكس” ليست في وضعها الراهن شركة رابحة، إذ تستوعب استثمارات ضخمة في عمليات الإطلاق. غير أن قدرتها الفريدة على إعادة استخدام الصواريخ بشكل مستدام ميّزتها عن غالبية الصواريخ التقليدية ذات الاستخدام الواحد، وخفّض ذلك التكاليف بشكل ملحوظ.

وأشار إلى أن ذراع “ستارلينك” هي الجهة الرابحة فعلياً ضمن منظومة “سبيس إكس”، لكن هذه الربحية وحدها لا تفسّر تقييماً يقترب من تريليوني دولار. والقيمة الحقيقية، وفق جلال، تكمن في رؤية ماسك المستقبلية: بناء بنية تحتية للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي في الفضاء.

لماذا الفضاء؟ الطاقة والتبريد والحوكمة

فسّر جلال الجاذبية الاستراتيجية للفضاء بالإشارة إلى أن مراكز البيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي تواجه مشكلتين أساسيتين: الحاجة إلى الطاقة والتبريد. والفضاء بطبيعته البالغة البرودة يوفر بيئة مثالية للتبريد، فضلاً عن إمكانية نشر ألواح شمسية تستقبل الطاقة مباشرة دون المرور بالغلاف الجوي.

وأضاف بُعداً حوكمياً بالغ الأهمية، مستشهداً بحادثة اختراق هاتف المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل المرتبطة بقانون “باتريوت أكت” الأميركي. وأوضح أن البنية التحتية المنشورة في الفضاء لا تخضع بالضرورة لقانون دولة بعينها، مما يمنح الشركة القدرة على فرض حوكمة خاصة بها.

وحذّر جلال من أن أي احتكار في هذا المجال سيجعل العالم رهيناً لعدد محدود من القوى المهيمنة، في حين أن التنافس سيصبّ في مصلحة المستخدمين.

اكتتابات بتقييمات فلكية: OpenAI وأنثروبيك على خطى سبيس إكس

تناول جلال آلية الاكتتابات العامة، موضحاً أن الشركات عادةً تطرح ما بين 15% و20% من أسهمها، في حين أن ماسك اكتفى بطرح نحو 4% فقط من أسهم “سبيس إكس”. وتوقع أن تسلك شركتا “OpenAI” و”أنثروبيك” نهجاً مماثلاً، نظراً لأن طرح نسبة أكبر من أسهمهما بالتقييمات المتوقعة يعادل ما حققته البورصة بأكملها خلال عقد من الاكتتابات.

وقارن جلال الوضع بحالة “فيسبوك” عام 2012، حين طرحت الشركة تقييماً بنحو 100 مليار دولار وكانت رابحة فعلياً. أما اليوم، فإن المستثمرين يضعون أموالهم في شركات تسجّل خسائر تشغيلية رهاناً على أرباح مستقبلية غير مضمونة، وهو نمط ينطبق بشكل واضح على “OpenAI” و”أنثروبيك”.

النماذج الصينية تُحوّل الذكاء الاصطناعي إلى سلعة

في إجابته عن سؤال حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد “موجة” عابرة، رأى جلال أن حجم هذه التقنية يتجاوز هذا التوصيف، لكنه شكّك في نضوج نموذج الأعمال القادر على تحويلها إلى مصدر ربح لجميع الشركات العاملة فيها.

وأشار إلى أن النماذج الصينية المجانية تقترب من 95% من أداء نظيراتها الأميركية وفق تقديرات الخبراء، مما يدفع باتجاه تحويل هذه النماذج إلى “سلعة” تنافسية على السعر، ويُقلّص هامش التمايز بين الشركات.

وضرب جلال مثالاً بدولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً رائداً في تحوّل الحكومات نحو الذكاء الاصطناعي الوكيل، حيث يدمج الموظف قدراته مع الذكاء الاصطناعي ليخلق ما وصفه بـ”الموظف بالذكاء الاصطناعي”، وهو توجه يعكس الرؤية الاستراتيجية المتقدمة للإمارات في هذا القطاع.

أزمة “ميثوس” و”فيبل”: حين تتقاطع السياسة مع الاقتصاد

تطرق جلال إلى أزمة نموذج “ميثوس” لشركة أنثروبيك، الذي يتمتع بقدرة على اكتشاف ثغرات أمنية لدى المنافسين، وقد طُرح بشكل مغلق لشركات محددة فحسب خشية استغلاله لأغراض إجرامية. وتساءل جلال: من الذي يقرر أي الشركات تحصل على هذا النموذج؟

وأشار إلى أن النسخة المقيّدة من النموذج المعروفة بـ“فيبل”، التي لا تستجيب لاستفسارات تتعلق بالحرب الكيميائية أو اختراق الشفرات، تعرّضت لاختراق بعد ساعات قليلة من إطلاقها عبر التحايل على القيود المفروضة عليها.

وأوضح جلال أن قرار أنثروبيك بحظر نموذجها على غير الأميركيين وضع الشركة أمام التزامات قانونية معقدة تشبه إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) المعتمدة في القطاع المصرفي، مما رفع سقف الصعوبة أمام العملاء الجدد ودفعهم للبحث عن بدائل.

وخلص جلال إلى أن هذا التطور يحمل دلالة أعمق: الاقتصاد لم يعد اقتصاداً بحتاً، والتجارة لم تعد تجارة بحتة، إذ باتت السياسة تتدخل بشكل كبير، حتى أصبح المستثمر يراهن على شركة قد يُغيّر قرار سياسي مسارها بين يوم وليلة.

وانتهى جلال إلى أن النماذج المقبلة ستحمل جميعها قدرات مماثلة أو أكبر، تاركاً السؤال مفتوحاً حول كيفية التعامل مع هذا الواقع الجديد الذي يجمع بين ثورة تقنية غير مسبوقة وتشابك سياسي واقتصادي متزايد التعقيد.