
الإمارات تراهن على شبابها: رئيس الهيئة الوطنية للإعلام يرسم ملامح إعلام عربي جديد
رهان استراتيجي على عقول الشباب
ثمة أطروحة جوهرية تتجلى في كل مبادرة إماراتية تتعلق بالشباب: الاستثمار في الإنسان ليس مجرد خيار اجتماعي، بل هو الركيزة الأعمق لاستدامة النهضة. وقد جاء كلام عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، خلال جلسة النسخة الثامنة من برنامج “القيادات الإعلامية العربية الشابة” في دبي، ليكشف عن هذا التوجه بصراحة نادرة: الإمارات لا تعدّ شبابها مستقبلاً منتظَراً، بل تعاملهم بوصفهم شركاء فاعلين في صناعة الحاضر.
الجلسة التي حملت عنوان “خلف الكواليس: كيف تُبنى المنظومات الإعلامية من الصفر” شهدها الدكتور سلطان بن سيف النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب ونائب رئيس مركز الشباب العربي، وجمعت خمسين شاباً وشابة من ثماني عشرة دولة عربية. لم تكن الجلسة حدثاً بروتوكولياً؛ كانت مختبراً حياً لفكرة أن الإعلام العربي يحتاج إلى إعادة بناء، وأن الإمارات مستعدة لقيادة هذا التحول.
الثقة رأس مال لا تصنعه الخوارزميات
أسس آل حامد حجته على مبدأ صارم: الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية، ولا تُبنى بسرعة الانتشار، بل بالدقة والتحقق والشفافية واحترام عقل الجمهور. وهذا الطرح يكتسب أهمية مضاعفة في عصر تتسابق فيه المنصات الرقمية على الانتشار لا على الصدق.
ذهب أبعد من ذلك حين حذّر من أن مجرد الامتناع عن نشر الأخبار المفبركة لا يكفي؛ إذ يجب الإبلاغ عنها لدى المنصات الناشرة لها وتقديم ما يُثبت زيفها. والأخطر، كما أشار، أن تكرار تداول المعلومات الكاذبة يرفع حضورها الرقمي حتى تبدو مع الوقت وكأنها حقائق راسخة. هذا التحذير ليس خطاباً وعظياً، بل تشخيص دقيق لآلية تعمل بها الخوارزميات فعلاً.
أما الذكاء الاصطناعي، فقد منحه آل حامد حجمه الحقيقي دون مبالغة ودون إنكار: أداة تضاعف قدرة الإعلامي على الإنتاج والوصول، لكنها عاجزة عن تحمل المسؤولية الأخلاقية عن الكلمة وأثرها. وعليه، دعا الشباب العربي صراحةً إلى أن يجعلوا التحقق سابقاً للنشر، وأن يفكروا قبل أن تمنحهم الخوارزمية فرصة الانتشار.
اقتصاد المحتوى: أرقام تُثبت أن الرهان مبرر
لم يكتفِ رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بالخطاب القيمي؛ دعمه بأرقام تُجسّد حجم الفرصة التي تُتيحها الإمارات أمام الجيل القادم. قطاع الإعلام لم يعد مجرد منبر للمحتوى، بل أصبح اقتصاداً متكاملاً تتلاقى فيه التقنية والابتكار والإبداع. المؤشرات تتوقع ارتفاع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإماراتي من 18.8 مليار درهم عام 2025 إلى 27.2 مليار درهم بحلول 2031، مع توفير أكثر من 209.5 ألف وظيفة. وفي طليعة هذا المشهد يتقدم قطاع الألعاب والمحتوى التفاعلي بمعدل نمو سنوي يبلغ 12.1% حتى 2031، بعد أن بلغت مساهمته 3.4 مليار درهم.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها حجة اقتصادية تُثبت أن الإمارات تهيئ بيئة حقيقية لا وعوداً فارغة، وأن المهارات الإعلامية والتقنية باتت تُترجَم إلى فرص عمل ملموسة وقيمة مضافة قابلة للقياس.
إطلاق تحدي «وكلاء الإعلام الذكي»: من الفكرة إلى التطبيق
في ختام الجلسة، وبحضور الدكتور النيادي، أطلق آل حامد بالتعاون مع مركز الشباب العربي تحدي «وكلاء الإعلام الذكي»، داعياً المشاركين إلى ابتكار وكلاء ذكاء اصطناعي يقدمون حلولاً عملية لاحتياجات حقيقية في العمل الإعلامي، بما يعزز كفاءة الأداء وجودة المحتوى والمصداقية، ويسهم في مكافحة التضليل. يتيح التحدي للمشاركين تحويل أفكارهم إلى نماذج قابلة للتطوير والتطبيق، وستُختار أفضل ثلاثة مشاريع لتحظى بجوائز ودعم يُساعدها على الانتقال من الفكرة إلى الواقع.
هذه المبادرة تختصر فلسفة الإمارات في التعامل مع الشباب: لا خطاب تحفيزي دون أدوات، ولا طموح دون مسار واضح للتنفيذ. برنامج “القيادات الإعلامية العربية الشابة” في نسخته الثامنة، الممتد من 27 سبتمبر حتى 15 أكتوبر 2026، يجمع التدريب التطبيقي واللقاءات مع خبراء القطاع والزيارات الميدانية لمؤسسات إعلامية، وصولاً إلى تطوير مشاريع نهائية تُعرض أمام لجان تقييم متخصصة.
اختتم آل حامد جلسته بكلمات ستبقى في ذاكرة من حضروها: “اجعلوا الحقيقة مرجعكم، والتحقق عادتكم، والمسؤولية ميزانكم. تذكروا أن الشهرة عابرة، أما الثقة فإرث.” وهي خلاصة تنطوي على رؤية أعمق مما يبدو: الإمارات لا تبني إعلاميين فحسب، بل تصنع جيلاً يحمل الرواية العربية إلى العالم بصوت واثق وضمير متيقظ.




