نجاة الصغيرة في أبوظبي: حين تُكرِّم الإمارات ذاكرة الأغنية العربية

تكريم يتجاوز الفن إلى اللغة

في مشهد احتفالي نادر جمع بين ثقل التاريخ وحيوية الحاضر، منحت جائزة الشيخ زايد للكتاب الفنانة المصرية الكبيرة نجاة الصغيرة لقب «شخصية العام الثقافية» ضمن دورتها العشرين لعام 2025-2026، لتكون بذلك أول فنانة تنال هذا اللقب منذ تأسيس الجائزة. والأطروحة التي يكشفها هذا الاختيار واضحة ومقصودة: الإمارات لا تُكرِّم صوتاً فحسب، بل تُؤكِّد أن الأغنية العربية الرفيعة ليست ترفيهاً عابراً، بل هي امتداد حي للغة والشعر والهوية، وأن أبوظبي تضع نفسها حارسةً لهذا الإرث في قلب المشهد الثقافي العربي.

جرى تسليم التكريم على يد الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس ديوان الرئاسة للشؤون التنموية وأسر الشهداء، في حفل أُقيم بمركز أدنيك على هامش الدورة الخامسة والثلاثين من معرض أبوظبي الدولي للكتاب. ولم يكن الاختيار اعتباطياً؛ فنجاة الصغيرة التي وُلدت عام 1938 وبدأت مشوارها الفني مبكراً، بنت على مدار عقود صرحاً فنياً يقوم على ثلاثة أعمدة متلازمة: الصوت الاستثنائي، والنص الشعري الرفيع، والاختيار الموسيقي الواعي.

يحمل هذا التكريم قيمة مالية بلغت مليون درهم إماراتي مصحوبةً بميدالية ذهبية وشهادة تقدير، وهو أعلى مبلغ مالي بين فروع الجائزة كافة، مما يعكس حجم الاعتراف بأثر نجاة وعمقه. وقد أعرب الدكتور علي بن تميم، رئيس مركز أبوظبي للغة العربية والأمين العام للجائزة، عن أن الاختيار جاء تقديراً لقدرتها الفريدة على الجمع بين الأداء الصوتي المتميز والاختيارات الأدبية والموسيقية الرفيعة، وهو توصيف يُلخِّص جوهر ما جعل نجاة ظاهرة ثقافية لا مجرد نجمة غناء.

الشعر الذي غنّاه الملايين

لا يمكن فهم قيمة هذا التكريم دون استحضار طبيعة المشروع الفني الذي حملته نجاة الصغيرة طوال مسيرتها. فقد ارتبطت بأبرز رموز الموسيقى العربية في القرن العشرين، وفي مقدمتهم محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي وبليغ حمدي، وقدمت قصائد لكبار الشعراء وعلى رأسهم نزار قباني. كانت معادلتها الفنية صعبة التحقيق ونادرة الوقوع: تحويل القصيدة إلى عمل جماهيري واسع الانتشار دون التفريط في لغتها الفصحى أو قيمتها الأدبية، في وقت كان فيه كثيرون يرون في الفصحى عائقاً أمام الجماهيرية.

أغنيات مثل «أيظن» و«متى ستعرف كم أهواك» صارت من أشهر القصائد المغناة في تاريخ الفن العربي، فيما ظلت «عيون القلب» و«أما براوة» و«لا تكذبي» حاضرةً في وجدان أجيال متعاقبة. وقد جمعت نجاة إلى جانب الغناء تجربة تمثيلية أثرت السينما المصرية بأعمال من بينها «الشموع السوداء» و«شاطئ المرح» و«ابنتي العزيزة»، قبل أن تتفرغ تدريجياً للغناء وتبني رصيدها الكبير من الأعمال التي منحتها مكانتها الاستثنائية.

ظهور نجاة في الحفل جاء عبر كلمة مسجلة أعربت فيها عن سعادتها بالتكريم، مؤكدةً ارتباط مسيرتها الفنية باللغة العربية والقصائد التي قدمتها طوال مشوارها. وقد شكّل هذا الظهور النادر حدثاً بحد ذاته، إذ ابتعدت الفنانة المصرية عن المناسبات العامة لسنوات طويلة، وكان آخر ظهور لافت لها في Joy Awards 2024 بالرياض، حين أطلّت على الجمهور بعد غياب مطوّل وأدّت مقطعاً من «عيون القلب»، فاستقبلها الحضور من نجوم الفن والجمهور بحفاوة بالغة.

أبوظبي وسؤال الهوية الثقافية

يكتسب هذا التكريم دلالة استراتيجية تتجاوز الاحتفاء الشخصي بفنانة كبيرة. فأبوظبي، بوصفها عاصمة ثقافية تحتضن معرض الكتاب الدولي وجائزة الشيخ زايد وعدداً من المؤسسات الثقافية الكبرى، تُرسِّخ من خلال هذا الاختيار رؤيةً واضحة: أن الثقافة العربية كلٌّ متكامل يشمل الأدب والموسيقى والفنون، وأن الأغنية حين تحمل قصيدة حقيقية تصبح وثيقةً هوياتية لا تقل أهمية عن الكتاب أو المسرحية. هذا التوسيع لمفهوم الثقافة يجعل من جائزة الشيخ زايد للكتاب منصةً أشمل وأعمق مما يوحي به اسمها.

يعكس اختيار نجاة الصغيرة أيضاً وعياً إماراتياً بأهمية تكريم الجيل الذهبي من الفنانين العرب الذين جعلوا من الكلمة العربية عنصراً جوهرياً في نجاح الأغنية، في حقبة كانت فيها الفصحى تُغنَّى وتُحفظ وتنتقل بين الأجيال عبر الإذاعة والتلفزيون والأسطوانات. هذا الجيل يتناقص بمرور الوقت، ومن هنا تأتي أهمية توثيق إسهاماته والاحتفاء به في حياته. إن فوز نجاة الصغيرة بـ«شخصية العام الثقافية» لا يُنصف مسيرةً فنية فحسب، بل يُعيد رسم خريطة ما تعدّه الإمارات ثقافةً جديرة بالصون والاحتفاء، وهو رهان على أن الذاكرة العربية المشتركة تستحق أن تُبنى عليها مشاريع المستقبل.