مفاوضات الدوحة بين إيران وأمريكا: هل تنقذ مذكرة التفاهم أم تُعجّل بانهيارها؟

مسار تفاوضي على حافة الهاوية

ثمة أطروحة جوهرية تفرض نفسها على المشهد الراهن: مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية لم تُبنَ على أسس راسخة، وما تشهده مفاوضات الدوحة اليوم ليس سوى اختبار حقيقي لهشاشة هذا البناء. فبينما يُعوّل الوسطاء على الجولة التقنية التي تستضيفها الدوحة بوصفها خطوة لتثبيت المسار الدبلوماسي، يذهب المحللون إلى أن ما يجري قد يكون مقدمة لتصعيد خطير، لا محطة نحو الاستقرار.

أكد المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن الفرق التقنية من الجانبين ستبحث في الدوحة ملفين محوريين: حرية الملاحة في مضيق هرمز، والأموال الإيرانية المجمدة. غير أن الأنصاري نفسه أوضح أن تسليم هذه الأموال مرهون بمسار المفاوضات، وهو ما يتعارض مع التوقعات الإيرانية التي كانت تتحدث عن تسلّم فوري لنحو 12 مليار دولار، منها 6 مليارات محتجزة في قطر، وذلك فور توقيع المذكرة.

هذا التناقض بين ما وعدت به طهران شعبها وما تعرضه واشنطن فعلياً هو بيت القصيد.

الضغط الداخلي الإيراني: وقود التصعيد

يرى الباحث السياسي محمد صالح صدقيان أن أي تعقيد في ملف الأموال المجمدة سيُضخّ مباشرةً في شرايين المعارضة الداخلية للحكومة الإيرانية، مما قد يدفعها إلى إعادة إغلاق مضيق هرمز، بل وربما إلى استئناف المواجهة العسكرية. وقد كشف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن هذا المزاج بصراحة حين أعلن أمس الثلاثاء أن بلاده ستوقف المفاوضات مع واشنطن إذا لم يُحرَز تقدم ملموس في رفع الحظر عن الأموال المجمدة.

المعادلة كما يصفها صدقيان تبدو مجحفة من المنظور الإيراني الداخلي: حصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على عودة الملاحة في هرمز وتدفق النفط للأسواق العالمية وتراجع الأسعار، في حين لم تحصل طهران بعد على ما جرى الاتفاق عليه. هذه الفجوة تمنح المتشددين الإيرانيين حجة قوية للقول إن حكومتهم قدمت كل شيء دون مقابل حقيقي.

بيد أن الصورة ليست أحادية الجانب.

يُعدّل الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات السياسية، هذه القراءة دون أن يُلغيها. فإيران بدورها باعت نحو 50 مليون برميل نفط منذ توقيع المذكرة، وجنت عائدات مالية مباشرة نتيجة رفع الحصار الأمريكي عنها جزئياً. بمعنى آخر، إن أقدمت طهران على إغلاق المضيق مجدداً، فستجد نفسها في مواجهة عودة الحصار الكامل، وربما حرب لن تكون في مصلحتها. التصعيد الإيراني إذن ورقة ضغط، لا قرار استراتيجي محسوم.

هرمز: النزاع الحقيقي تحت السطح

لكن ما يكشفه مكي يذهب إلى أعمق من ملف الأموال. فالمفاوضات في جوهرها لا تدور حول المليارات المجمدة، بل حول السيطرة التي تسعى إيران إلى فرضها بالقوة على مضيق هرمز، مستغلةً المسار الدبلوماسي لانتزاع اعتراف أمريكي بهذه الهيمنة. طهران لا تريد إدارة المضيق، بل تريد السيطرة عليه، وهذا الطموح يتجاوز العلاقة الثنائية مع واشنطن ليطال دول المنطقة بأسرها، بما فيها الإمارات العربية المتحدة وجيرانها الخليجيين الذين تمر عبر هرمز شريان اقتصادهم الحيوي.

في هذا السياق، يضع الكاتب والمحلل السياسي إياد الرفاعي إصبعه على الجرح حين يقول إن ما جرى ويجري يكشف أن مذكرة التفاهم كُتبت بحبر زائل، وأن نوايا الطرفين لم تكن صادقة منذ البداية. ويُضيف أن المشهد الراهن قد ينتهي بانفجار، خاصة أن إيران تفتقر في هذه المرحلة إلى العقلانية السياسية اللازمة للتسوية، إذ يتبنى مختلف تياراتها، محافظين ومعتدلين على حد سواء، منهجاً متصلباً واحداً.

الخلاصة التي تفرض نفسها: مفاوضات الدوحة ليست مجرد جولة تقنية عادية، بل هي لحظة فارقة تحدد ما إذا كان الدبلوماسيون قادرين على ردم الهوة بين ما وعد به الطرفان شعبيهما وما يمكن تحقيقه فعلياً. وفي ظل ضغوط داخلية متصاعدة على جانبي الطاولة، فإن هامش المناورة يضيق، والثمن الذي ستدفعه المنطقة في حال الفشل قد يكون باهظاً بما يتجاوز أي رقم مجمد في حسابات بنكية.