
دول آسيان بين مطرقة بكين وسندان واشنطن: قصة تحوّل استراتيجي
في الأول من أغسطس الجاري، أطلق الجيش الصيني تدريبات جوية وبحرية مكثفة حول شعاب سكاربورو المتنازع عليها في بحر جنوب الصين، فوضع الفلبين أمام خيارين لا ثالث لهما: التراجع والقبول بالأمر الواقع، أو الدخول في مواجهة مع قوة عسكرية تفوقها بمراحل. اختارت مانيلا الحكمة على الاستفزاز، إذ يُعدّ الجيش الصيني الأكبر والأسرع نمواً على وجه الأرض، بتعداد يتجاوز ثلاثة ملايين جندي وموازنة دفاعية تبلغ 270 مليار دولار، فضلاً عن ترسانة نووية وبرامج صواريخ متطورة وحاملات طائرات وغواصات وقدرات فضائية لا تضاهى.
تقليدياً، اعتادت دول جنوب شرق آسيا أن تنظر غرباً نحو واشنطن حين يضيق بها الخناق، مستندةً إلى المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة الطموحات الصينية المتنامية. غير أن ما جرى بعد أسبوع من تلك التدريبات كشف عن تحوّل عميق في طبيعة هذه العلاقة؛ إذ لم تجد مانيلا من واشنطن سوى رد فاتر، فيما كانت الإدارة الأمريكية منشغلة بمتاهات الرسوم الجمركية وتداعيات الأزمة في مضيق هرمز.
جاء الموقف الأمريكي على لسان وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية إلبريدج أندرو كولبي، الذي توجّه إلى مانيلا يوم الاثنين وألقى خطاباً محورياً حول مفهوم “الشراكة لا التبعية”. قال كولبي بوضوح لا لبس فيه إن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حماية الضعفاء، بل تريد شركاء يتحملون مسؤولية الدفاع عن أنفسهم ويستثمرون بجدية في قدراتهم العسكرية السيادية. وأضاف أن واشنطن لا تنسحب من المنطقة، بل تعيد ترتيب أولوياتها نحو ردع أي خصم يسعى لفرض أمر واقع على طول سلسلة الجزر الأولى الممتدة من اليابان جنوباً عبر تايوان والفلبين وبروناي.
بيد أن هذه الرسائل الأمريكية جاءت في وقت كانت فيه بكين تُحكم قبضتها الدبلوماسية على المنطقة بخطوات متسارعة. ففي أبريل الماضي، زار الرئيس الصيني شي جين بينغ كلاً من فيتنام وماليزيا وكمبوديا في جولة موسّعة أرسى من خلالها علاقات اقتصادية وسياسية راسخة. وفي أواخر يوليو، أتمّ وزير الخارجية وانغ يي جولة خمسة أيام شملت كمبوديا وتايلاند وميانمار، في إشارة واضحة إلى أن بكين تُصنّف جنوب شرق آسيا أولوية استراتيجية لا تقبل المساومة.
في المقابل، اقتصرت زيارات المسؤولين الأمريكيين على الحد الأدنى؛ فالرئيس ترمب منذ عودته إلى السلطة لم يطأ سوى ماليزيا لحضور قمة إقليمية، فيما اكتفى وزير خارجيته ماركو روبيو بزيارة ماليزيا والفلبين لحضور قمتين. يرى ديريك غروسمان، الخبير في مركز الأمن الأمريكي والأستاذ في جامعة كاليفورنيا، أن الحضور والانخراط المستمر في المنطقة يمثلان وحدهما أكثر من نصف معركة النفوذ، وأن تراجع المسؤولين الأمريكيين عن المشاركة الرفيعة المستوى يُقوّض قدرة واشنطن على منافسة بكين.
ومع تصاعد هذا الغياب الأمريكي، بدأت دول جنوب شرق آسيا تُراجع حساباتها الاستراتيجية بصمت. كتب الدبلوماسي الإندونيسي سيمون هوتاغالونغ على منصة “أوراسيا ريفيو” أن التنافس الأمريكي-الصيني يضع دول آسيان أمام تحديات متزايدة، مشيراً إلى أن الرابطة باتت مهددة بالتشرذم جراء تباين المصالح الوطنية لأعضائها. فبينما تدعو الفلبين وفيتنام إلى موقف جماعي أكثر حزماً في مواجهة التمدد الصيني، تؤثر كمبوديا ولاوس تجنّب أي احتكاك مع بكين.
وقد بلغ هذا الانقسام ذروته في اجتماع وزراء خارجية آسيان الأخير الذي عُقد في يوليو في الفلبين، حين عجزت الرابطة عن إصدار بيان توافقي حول الحوادث البحرية الأخيرة بين مانيلا وبكين. يُفسّر الباحث جوشوا كورلانتزيك من مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي هذا الفشل بوضوح: تمتلك الصين دولاً تابعة لها فعلياً داخل الرابطة، في مقدمتها كمبوديا ولاوس، تستخدمهما لعرقلة أي توافق لا يخدم مصالحها. وعلى الجانب الآخر، وصل روبيو إلى الاجتماع “خاوي الوفاض” بحسب وصف مسؤولين آسيويين تحدثوا لكورلانتزيك في محادثات خاصة، لا سيما أن واشنطن فرضت خلال انعقاد القمة ذاتها رسوماً جمركية جديدة على ست دول أعضاء في الرابطة، من بينها الفلبين أقدم الحلفاء الأمريكيين في المنطقة.
وزاد الطين بلّة أن مضيق هرمز أُغلق مجدداً في وجه ناقلات الطاقة المتجهة إلى جنوب شرق آسيا، وهي المنطقة الأشد اعتماداً على النفط والغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج العربي. وكانت دول آسيان قد عانت من صدمة طاقة حادة خلال المرحلة الأولى من الإغلاق، فأصدر وزراء خارجيتها بياناً حذّروا فيه من أن استمرار الحرب سيوقف إمدادات الطاقة ويُفاقم الفقر ويُعيق التجارة ويضر بإنتاج الغذاء.
أما على صعيد شعاب سكاربورو، فقد نقلت وكالة رويترز أن الصين أقامت مؤخراً قواعد جديدة لإدارة المحمية الطبيعية التي أنشأتها العام الماضي حول هذه الشعاب المرجانية الغنية بالموارد السمكية. ردّت واشنطن بإدانة دبلوماسية على لسان ناطقها باسم الخارجية، رافضةً ما وصفته بمحاولات صينية لحرمان الصيادين الفلبينيين من مناطق صيدهم التقليدية. غير أن هذه الإدانات لم تُمكّن صياداً واحداً من العودة إلى مياه كان يرتادها منذ أجيال.
في الثامن من أغسطس الجاري، احتفلت آسيان في جاكرتا بذكراها التأسيسية التاسعة والخمسين. الرابطة التي تأسست عام 1967 وتضم اليوم إحدى عشرة دولة بتعداد سكاني يناهز 700 مليون نسمة وناتج اقتصادي يبلغ نحو أربعة تريليونات دولار، دخلت هذا الاحتفال وهي تُدرك جيداً ثقل اللحظة. قال أمينها العام كاو كيم هورن إن مبادئ الاحترام المتبادل والسيادة والحل السلمي للنزاعات لا تزال ركيزة الاستقرار الإقليمي، لكن الواقع يشير إلى أن الرابطة باتت تواجه اختباراً وجودياً لوحدتها وقدرتها على صون استقلالية قرارها.
يصف كورلانتزيك المشهد الراهن بقسوة: تايلاند، الحليف الرسمي للولايات المتحدة بموجب معاهدة، تميل بوضوح نحو الصين. وسنغافورة التي تحرص على التوازن تجد الأمر أكثر صعوبة مع تنامي النفوذ الصيني الناعم وتراجع الثقة بواشنطن. وتبدو الولايات المتحدة في نظر كثيرين أكثر تقلباً وأقل موثوقية مع مرور الوقت، مما يدفع بعض دول المنطقة إلى التخلي عن سياسة التوازن التقليدية برمّتها. وفي نهاية المطاف، يبدو أن المنطق الأمريكي في الاقتصاد لا يختلف في جوهره عن نهجه في الدفاع:
المشهد الأشمل يكشف أن المنافسة على جنوب شرق آسيا دخلت مرحلة حاسمة، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة في المنطقة باتت تُدرك أن لا أحد سيحميها مجاناً، وأن عليها إما بناء قدراتها الذاتية أو اتخاذ خيارات استراتيجية صعبة في عالم لم يعد يحتمل الغموض الاستراتيجي المريح.




