
تنشئة أبطال المستقبل: المحبة والقيم قبل ضغوط الفوز والخسارة في الأكاديميات الإماراتية
في قلب أحد ملاعب التدريب بدبي، يقف مدرب شاب أمام مجموعة من الأطفال الذين لا يتجاوز أعمارهم اثنتي عشرة سنة، لا يصرخ في وجوههم ولا يلوّح بأصابعه تحذيراً. يجلس بينهم على العشب، يضحك معهم، ويسألهم عمّا شعروا به خلال المباراة. هذا المشهد البسيط يلخّص فلسفة باتت تتصاعد في أوساط المختصين بكرة القدم الإماراتية: أن بناء الإنسان يسبق صناعة اللاعب، وأن الحنان والقيم ليسا ترفاً تربوياً بل ركيزة لا غنى عنها.
خبراء رياضيون ومدربون متخصصون أكدوا لـ«الإمارات اليوم» أن تعزيز المحبة والتعاون والروح الرياضية والقيم الأخلاقية لدى لاعبي المراحل السنية يمثّل الأساس الذي تُبنى عليه شخصياتهم، وأن التدريب الفني والبدني وحده لا يكفي ما لم تُحِط باللاعب الصغير بيئة تسودها الرعاية والتقدير والاحترام المتبادل. الرسالة واحدة وإن تعددت الأصوات: أكاديميات كرة القدم في الإمارات أمام لحظة مراجعة حقيقية.
رئيس نادي سيتي والخبير الرياضي سلطان حارب لا يتردد في تشخيص الخلل بوضوح. يرى أن مرحلة الاحتراف حوّلت الانتصارات والنتائج إلى الهاجس الأكبر لدى كثير من الأندية، وهو ما انعكس سلباً على الاهتمام بالجوانب التربوية في المراحل السنية. يقول حارب: «لقد تغيّرت الأهداف، وأصبحنا بحاجة إلى آليات عمل واضحة تعيد للمراحل السنية دورها الحقيقي في بناء شخصية اللاعب، وليس التركيز على النتائج والبطولات فقط». ويُنبّه إلى أن دخول لاعبين أجانب بكثرة إلى صفوف هذه الفرق، مع ما يحملونه من ثقافات مغايرة، يُضيف تحديات إضافية تستوجب يقظة مجتمعية حقيقية، مستشهداً بانتشار ظاهرة الوشم بين بعض الناشئين بوصفها مؤشراً على تأثيرات ثقافية تستحق الوقوف عندها. ويشدد على أن المسؤولية لا تقع على الأندية وحدها، بل تتطلب تكاملاً حقيقياً بين الأسرة والمدرسة ومجالس الأحياء ومختلف المؤسسات المجتمعية، لأن الرياضة في جوهرها رسالة إنسانية وصحية واجتماعية تتجاوز حدود الملاعب.
من دبي، تأتي شهادة فيصل تتان، المدرب السوري الذي قضى أكثر من عشرين عاماً في العمل مع المراحل السنية بنادي الوصل. خبرته الميدانية الطويلة تجعل كلامه ثقيل الوزن: اللاعبون الصغار يحتاجون إلى العطف والحنان والرعاية الأبوية قبل أي شيء آخر. أشرف تتان على أجيال أفرزت نجوماً من أمثال حبيب الفردان وراشد عيسى وعلي سالمين وعلي صالح، ويؤكد أن تطبيق المنهج الذي يجمع بين القيم الإنسانية والتدريب الفني أسهم مباشرة في بروز نجوميتهم. يقول بثقة المُجرِّب: «المدرب ليس مجرد شخص يضع الخطط التدريبية، بل هو موجّه ومربٍّ، عليه أن يجمع بين الحزم والاحتواء، ويوفر بيئة يسودها الاحترام والثقة والشعور بالانتماء إلى عائلة رياضية واحدة».
أما نعمت عباس، المدرب العراقي المتخصص في المراحل السنية، فيُسلّط الضوء على حلقة مفقودة كثيراً ما تُغفلها النقاشات: دور الأسرة. يُلاحظ عباس أن كثيراً من الفرق الشبابية تفتقد الدعم الأسري الإيجابي، وأن الأندية تجد نفسها تحمل وحدها ثقلاً يفوق طاقتها. يقول لـ«الإمارات اليوم»: «الأندية والمدربون يسعون بمختلف الوسائل إلى توفير بيئة رياضية جاذبة تقوم على المحبة والاهتمام والأجواء الأسرية، لكن دور العائلة يبقى أساسياً ولا يمكن الاستغناء عنه». وتُثبت التجارب المتراكمة أن اللاعبين الذين يحظون بالرعاية النفسية والاجتماعية داخل الأندية، ويجدون في أسرهم سنداً ومشجعاً، يمتلكون فرصاً أوسع بكثير لمواصلة مسيرتهم الرياضية بنجاح.
علّموا الطفل أن يفوز بتواضع ويخسر بكرامة
ربما كانت أكثر العبارات إيجازاً وعمقاً في هذا النقاش ما قاله عصام أبوطوق، اللاعب الدولي الأردني السابق والمدرب الحالي بالجامعة الأميركية في الشارقة. يؤمن أبوطوق إيماناً راسخاً بأن غرس القيم الأخلاقية يجب أن يسبق تعليم المهارات الفنية، وأن نجاح المدرب لا يُقاس بعدد المواهب التي يقدمها للملاعب فحسب، بل بقدرته على إعداد أجيال تتحلى بالانضباط والاحترام والروح الرياضية. يقول بحسم: «بناء الإنسان يسبق صناعة لاعب كرة القدم. المهارة يمكن تطويرها بالتدريب والممارسة، أما الأخلاق فإذا لم تُغرس منذ الصغر فإنه يصعب ترسيخها في المراحل المتقدمة». ويُوجّه أبوطوق نقداً لاذعاً للمدربين وأولياء الأمور الذين يُثقلون كاهل الأطفال بضغوط النتائج، داعياً إلى تحوّل جذري في طريقة التعامل مع الطفل بعد كل مباراة: «بدلاً من سؤاله عن عدد الأهداف التي سجلها، اسأله عمّا تعلمه، ومدى استمتاعه، وما إذا كان قد ساعد زملاءه». الخسارة ليست فشلاً في قاموسه، بل فرصة لاكتشاف الأخطاء والنمو. ويختم بعبارة باتت شعاراً لفلسفته التربوية: «علّموا الطفل كيف يلعب ويحترم، وكيف يفوز بتواضع ويخسر بكرامة، فهذه هي التربية الرياضية الحقيقية».
الإمارات تبني منظومة رياضية طموحة، وتستثمر في أكاديميات كرة القدم جيلاً بعد جيل. لكن الرهان الحقيقي ليس في عدد البطولات التي تُحرزها فرق الناشئين، بل في نوعية الإنسان الذي يخرج من هذه الأكاديميات إلى الحياة، حاملاً معه روح الفريق والانضباط والتواضع. نجم المستقبل لا يُصنع بالضغط والتوتر، بل يُشكَّل بالحنان والقيم والثقة، داخل ملعب يشبه في دفئه البيت.




