
تأجيل اجتماع هرمز: هل تتعثر مسيرة الحوار بين إيران ودول الخليج؟
في أروقة الدبلوماسية الخليجية، حيث تُوزن الكلمات بدقة متناهية وتُقرأ الإشارات قبل التصريحات، جاء تأجيل اجتماع هرمز المرتقب ليُلقي بظلاله على مسار العلاقات الإيرانية الخليجية في لحظة بالغة الحساسية. فمنطقة الخليج، التي تشهد منذ سنوات تحولات جيوسياسية متسارعة، كانت تترقب هذا اللقاء بوصفه فرصة نادرة لاختبار جدية طهران في الانخراط بحوار بنّاء مع جيرانها العرب، لا سيما في ظل مساعي الانفراج التي رعتها الصين بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023.
ولا يمكن فهم دلالات هذا التأجيل بمعزل عن السياق الأشمل الذي تتحرك فيه المنطقة؛ إذ تسعى دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة، إلى بناء منظومة أمنية إقليمية مستقرة تُتيح لها التفرغ لأولوياتها التنموية الكبرى والمضي قدماً في مشاريع التنويع الاقتصادي الطموحة. فالإمارات، التي تُجسّد نموذجاً للدولة المنفتحة على العالم والراسخة في استراتيجيتها، ترى في الاستقرار الإقليمي ركيزةً لا غنى عنها لاستمرار ازدهارها وتعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للتجارة والابتكار.
غير أن التاريخ القريب يُذكّرنا بأن مسار الحوار مع إيران لم يكن يوماً خطاً مستقيماً؛ فطهران تتقن فن المناورة الدبلوماسية، وكثيراً ما وظّفت التأجيلات والمماطلة أدواتٍ للضغط أو لكسب الوقت في لحظات الاستحقاق الداخلي والخارجي. ومن هنا يأتي التساؤل المشروع: هل يعكس تأجيل اجتماع هرمز تعقيداً تقنياً في جدولة اللقاءات، أم أنه يُشير إلى تردد إيراني حقيقي في الالتزام بأُطر الحوار الجماعي مع دول مجلس التعاون؟
إن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول في العالم، يظل رمزاً لهشاشة الأمن الإقليمي وعُمق الترابط بين مصالح الأطراف المتنازعة. فأي توتر في هذا الممر المائي الحيوي يُلقي بتداعياته الفورية على أسواق الطاقة العالمية وعلى مسيرة الاقتصادات الخليجية الصاعدة. وهذا بالضبط ما يجعل الدول الخليجية حريصةً على إيجاد آليات تواصل فعّالة مع الجانب الإيراني، لا من موقع الضعف، بل من موقع القوة الاستراتيجية والرؤية الواضحة.
في نهاية المطاف، يبقى التأجيل حدثاً يستحق المتابعة الدقيقة دون أن يُفضي بالضرورة إلى اليأس من مسار الحوار. فدول الخليج، وقد أثبتت قدرتها على إدارة ملفات شديدة التعقيد بمرونة واقتدار، تمضي في رسم مساراتها الدبلوماسية بعيون مفتوحة على كل الاحتمالات. والإمارات، بما تمثله من نموذج للبراغماتية الرشيدة والانفتاح المحسوب، تُدرك أن الحوار الحقيقي يُبنى على الأفعال لا على الوعود، وأن الاستقرار الإقليمي المنشود لن يتحقق إلا حين تُترجم طهران خطابها الدبلوماسي إلى التزامات ملموسة وقابلة للقياس على أرض الواقع.




