
الحرس الثوري الإيراني يضرب ناقلة غاز في مضيق هرمز: ما الذي يجري فعلاً في أخطر ممر بحري بالعالم؟
في فجر يوم لم يختلف ظاهرياً عن سابقيه، أعلن الحرس الثوري الإيراني ضرب ناقلة الغاز العملاقة “إن في سانشاين” خلال محاولتها عبور مضيق هرمز عبر ما وصفته طهران بـ”المسار غير القانوني” جنوب المضيق. الضربة ليست حادثة معزولة. إنها حلقة في سلسلة متصاعدة تهدد شرياناً بحرياً يُمرّر نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال إلى العالم.
في التوقيت ذاته تقريباً، رصدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية حريقاً على متن سفينة أخرى، تبيّن أنها ناقلة النفط الخام “جيم إن أو 2” الرافعة علم بنما، وذلك على بُعد 13 ميلاً بحرياً قبالة الجزيرة الحمراء في الإمارات. وضع الطاقم وحجم الأضرار لا يزالان مجهولَين، والسلطات تحقق.
لماذا يتصاعد التوتر في هرمز الآن؟
منذ اندلاع الحرب إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تحوّل مضيق هرمز إلى ساحة مواجهة غير معلنة. إيران تصر على أن تستأذنها السفن لاستخدام المسار الذي تفضّله داخل المضيق، مستندةً إلى ما تسميه “السيادة” على هذا الممر الحيوي. عدد متزايد من السفن اختار المخاطرة بسلوك المسار الجنوبي المحاذي لسواحل سلطنة عُمان، هرباً من الإجراءات الإيرانية. الحرس الثوري يرى في ذلك تحدياً مباشراً، ويرد بالقوة.
تشير تقارير إلى أن إيران استهدفت ما لا يقل عن 13 سفينة منذ سبتمبر، فيما تقترب تقديرات استخباراتية أخرى من 20 سفينة. في المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً مضاداً على الموانئ الإيرانية، وأعلنت جهوداً عسكرية لحماية السفن التي تسلك المسار الجنوبي، وفتحت النار مراراً على سفن مرتبطة بطهران.
هذا التصعيد البحري يضع الإمارات ومنطقة الخليج برمتها أمام تهديد مباشر لمصالحها الاقتصادية والأمنية. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه شريان الاقتصاد الإقليمي، وأي اضطراب فيه يُلقي بظلاله على أسواق الطاقة العالمية وعلى استقرار دول الخليج التي تعتمد عليه لتصدير ثرواتها.
هل ثمة مخرج دبلوماسي؟
واشنطن تتأرجح بين خيارين متناقضين. يدرس الجيش الأميركي خيارات لحملة عسكرية مكثفة قد تستمر ثلاثة أيام، تستهدف ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين. في الوقت نفسه، يرى تيار داخل الإدارة أن الضغوط الاقتصادية تحتاج إلى مزيد من الوقت لإجبار طهران على التراجع.
الرئيس دونالد ترمب أعلن صراحةً أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً جديداً قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، مشيراً إلى “مناقشات مثمرة” جارية. لكن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يشترط غياب “الضغط والتهديدات” شرطاً مسبقاً لأي حوار جاد، معلناً ذلك خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان.
نقطة الخلاف الجوهرية تتمحور حول الملف النووي: واشنطن تريد بحثه أولاً، وطهران تصر على تأجيله إلى المرحلة الأخيرة من المفاوضات. هذا الخلاف وحده يكفي لتعطيل أي مسار تفاوضي قابل للاستمرار. وفي هذا الفراغ، تتحرك موسكو؛ إذ جدّد الرئيس فلاديمير بوتين عرضه الوساطة بعد لقائه بزشكيان، في محاولة روسية لتعزيز حضورها في مسار التسوية.
المشهد الراهن يُعبّر عن معادلة بالغة الدقة: استمرار الهجمات على السفن يهدد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، والرد العسكري الواسع قد يفتح باب مواجهة إقليمية لا يعرف أحد سقفها. بالنسبة للإمارات ودول الخليج، فإن الحفاظ على حرية الملاحة في هرمز ليس مجرد موقف سياسي، بل ضرورة وجودية اقتصادية. لهذا تبقى المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف جميعها على احتواء هذا التصعيد قبل أن ينزلق إلى مواجهة لا يريدها أحد.




