الإمارات في خليجي 27: كيف حوّل داليتش “الأبيض” إلى قصة ملهمة؟

ما الذي جعل مسيرة الإمارات في خليجي 27 استثنائية؟

لم يكن وصول المنتخب الإماراتي إلى نهائي بطولة خليجي 27 مجرد نتيجة رياضية عابرة، بل كان تجسيداً لقصة ملهمة تستحق التأمل والتحليل. فالفريق الذي خاض البطولة دون مباريات ودية تحضيرية، ودون فرصة كافية لاختبار تشكيلاته قبل انطلاق المنافسات، تمكن رغم ذلك من الوصول إلى المباراة الفاصلة بأداء جعله أحد أبرز أطراف البطولة وأكثرها إثارة. هذا التناقض بين ظروف الاستعداد المحدودة والمستوى الرفيع المُقدَّم يكشف عن عمق حقيقي في بنية هذا المنتخب وفي المنهجية التي يعمل بها جهازه الفني.

الأرقام تروي جزءاً من الحكاية؛ إذ افتتح المنتخب مشواره بفوز ساحق على اليمن بأربعة أهداف دون مقابل، ثم أضاف إليه انتصاراً نظيفاً بثلاثية أمام البحرين، قبل أن يتعادل مع قطر ويحسم صدارة مجموعته برصيد سبع نقاط. وبتسع أهداف مسجلة في دور المجموعات، أصبح الهجوم الإماراتي الأقوى في البطولة بأسرها. غير أن هذه الأرقام، رغم دلالتها، لا تختصر وحدها الصورة الكاملة لما قدمه “الأبيض”.

ما يميز هذا المنتخب فعلاً هو قدرته على التحكم في إيقاع المباريات بنضج لافت؛ فالفريق يعرف متى يرفع وتيرة الأداء ومتى يهدئها، ومتى يضغط على المنافس ومتى يتراجع لإعادة تنظيم صفوفه. وقد تجلى هذا النضج بصورة أوضح في مباراة نصف النهائي أمام عُمان، حيث تحولت طبيعة المواجهة إلى خروج المغلوب وارتفعت تكلفة الأخطاء، فأثبت المنتخب أنه يمتلك شخصية تنافسية قادرة على التكيف مع مختلف الضغوط.

ما الدور الذي أدّاه زلاتكو داليتش في هذا التحول؟

يقف خلف هذا الأداء المدرب الكرواتي زلاتكو داليتش، الذي يكتب اليوم فصلاً جديداً في مسيرته التدريبية الحافلة. داليتش ليس مدرباً يُقاس فقط بعدد الألقاب أو الانتصارات، بل بقدرته الفريدة على منح الفرق التي يقودها هوية واضحة وشخصية مميزة. وهذه السمة بالذات هي ما رافقت تجربته الطويلة مع المنتخب الكرواتي، وهي ذاتها التي بدأ في نقلها إلى البيئة الإماراتية.

داليتش يدرك جيداً سر النجاح في البطولات القصيرة؛ فهو يعلم أن الوصول إلى النهائي لا يتوقف دائماً على امتلاك أفضل لاعبين، بل على القدرة على تحويل مجموعة من الأفراد إلى كتلة متماسكة تعرف كيف تلعب تحت الضغط وكيف تتخذ القرار الصحيح في اللحظات الحاسمة. وقد استطاع المدرب الكرواتي تحقيق هذه المعادلة مع الإمارات بسرعة لافتة، رغم محدودية الوقت المتاح للتحضير.

ما المفارقة الكروية التي يجسدها داليتش في هذه اللحظة؟

ثمة مفارقة كروية لافتة تلقي بظلالها على هذه القصة؛ ففي اللحظة ذاتها التي كان فيها داليتش يقود الإمارات إلى نهائي كأس الخليج، كان المنتخب الكرواتي — الذي صنع معه أمجاداً تاريخية — يتلقى هزيمة مدوية أمام إنجلترا بسبعة أهداف دون رد. هذا التزامن يكثّف في لحظة واحدة الكثير من تعقيدات كرة القدم وتقلبات مساراتها.

المدرب الذي أوصل كرواتيا إلى نهائي كأس العالم 2018، ثم إلى المركز الثالث في مونديال قطر 2022، يخوض اليوم تحدياً مختلفاً تماماً في بيئة جديدة وبلاعبين يحملون طموحات مختلفة. هذا التحول لا يُضعف من قيمة تجربته، بل يؤكد أن قدرته التدريبية ليست مرتبطة بجيل معين من اللاعبين أو بسياق جغرافي محدد، وإنما بمنهجية قابلة للتطبيق في أي بيئة كروية.

ماذا يعني النهائي أمام السعودية للإمارات ولداليتش؟

يمثل النهائي أمام المنتخب السعودي اختباراً من نوع مختلف للإمارات؛ فالمملكة العربية السعودية تدخل المباراة بخبرة واسعة في هذه البطولة تحديداً، ودعم جماهيري ضخم، ورغبة جارفة في الفوز باللقب. غير أن الإمارات تدخل هي الأخرى المواجهة وهي تحمل زخم مشوار متصاعد، وثقة تراكمت عبر مباريات أثبتت فيها قدرتها على التعامل مع مختلف الظروف والمنافسين.

بالنسبة للإمارات، يمثل هذا النهائي فرصة لكتابة خاتمة مثالية لرحلة بدأت بانتصارات مدوية واستمرت بأداء متصاعد. أما داليتش، فيرى في هذه المباراة فرصة لإثبات أن نجاح المدرب لا يرتبط بجيل بعينه من اللاعبين، بل بقدرته على بناء فريق يمتلك هوية حقيقية وشخصية قادرة على المنافسة في أعلى المستويات.

وإن نجحت الإمارات في تجاوز السعودية والتتويج باللقب، فإن هذا الإنجاز سيحمل قيمة تاريخية مضاعفة؛ إذ سيكون اللقب الخليجي الأول للمنتخب منذ عام 2013، وسيمنح داليتش بداية استثنائية لمشروعه مع “الأبيض”، مؤكداً أن الكرة الإماراتية تسير بخطى واثقة نحو تحقيق طموحاتها الكروية الكبرى.