
“الكتالوج الوطني للأغذية”: مبادرة تحويلية تعيد رسم ملامح قطاع الغذاء في الإمارات
في خطوةٍ تعكس عمق الرؤية الاستراتيجية لدولة الإمارات العربية المتحدة في تطوير منظومتها الاقتصادية، كشفت “جي إس 1 الإمارات” بالشراكة مع “تجمّع الإمارات للغذاء” عن “الكتالوج الوطني للأغذية”، منصةٍ رقميةٍ وطنيةٍ تُوحّد بيانات المنتجات الغذائية في مصدرٍ واحدٍ موثوق، وتضع أساسًا صلبًا لقطاعٍ غذائيٍ أكثر كفاءةً وتنافسيةً وانفتاحًا على المستقبل.
جاء الإعلان خلال فعاليات الدورة الثامنة من “منتدى مستقبل الصناعات الغذائية 2026”، الذي ينظمه “تجمّع الإمارات للغذاء” ومجموعة مصنّعي الأغذية والمشروبات في الإمارات تحت رعاية وزارة الاقتصاد والسياحة. لم يكن الإطار مجرد حفل إطلاق؛ كان تجسيدًا لإرادةٍ مشتركةٍ بين القطاعين العام والخاص لإعادة هيكلة الطريقة التي يتعامل بها الجميع مع بيانات الغذاء في الدولة.
تقوم المنصة على مبدأٍ بالغ البساطة في صياغته، عميق الأثر في تطبيقه: “التسجيل مرةً واحدةً والقبول في كل مكان”. بموجب هذا المبدأ، يحصل كل منتجٍ غذائيٍ على هويةٍ رقميةٍ واحدةٍ معتمدة، تُغني عن تكرار التسجيل لدى كل جهةٍ على حدة، وتقطع الطريق على ازدواجية البيانات والإجراءات المتشعبة التي طالما أثقلت كاهل الشركات. وتعتمد المنصة معايير “جي إس 1” العالمية للبيانات الموثوقة، لتوفر مرجعًا مشتركًا للجهات الحكومية وتجار التجزئة والشركات بمختلف أحجامها، من الكيانات العملاقة حتى المؤسسات الصغيرة الناشئة.
ما يمنح هذه المبادرة ثقلها الحقيقي هو انتسابها إلى “برنامج تصفير البيروقراطية الحكومية” في دولة الإمارات، ذلك البرنامج الذي يجسّد التزام الدولة بإزالة كل عائقٍ إداريٍ يقف بين الشركات وأهدافها التجارية. فبدلًا من أن تتنقل الشركات بين جهاتٍ متعددةٍ وتُعيد تقديم المعلومات ذاتها في كل مرة، تجد اليوم منصةً واحدةً تختصر المسافة وتُسرّع الإنجاز وتُخفّف العبء.
والفوائد العملية لا تقف عند حدود تبسيط الإجراءات. تُوفّر المنصة للشركات مسارًا أوضح لاعتماد منتجاتها في السوق، وتُعينها على استيفاء المتطلبات الجمركية، وتُثبت الجهة المالكة لكل منتج، وتتيح تتبّع مساره من المصدر حتى رفوف المتاجر. كما تُتيح معلوماتٍ أكثر دقةً حول الواردات الموازية، وتُحكم الرقابة على الادعاءات التسويقية المضللة. أما تجار التجزئة والشركاء التجاريون، فيجدون في المنصة مرجعًا رقميًا مشتركًا يُغنيهم عن الاجتهاد في مصادر متفرقة. وعلى الصعيد الحكومي، تُمكّن المنصة الجهات الرقابية من الوصول إلى بيانات المنتجات بكفاءةٍ أعلى، وتُيسّر تبادلها عبر مختلف الأنظمة والخدمات.
تحدّث رامي حبّال، الرئيس التنفيذي لـ”جي إس 1 الإمارات”، عن الأثر البنيوي لهذه المبادرة بوضوح: “تخصيص هويةٍ واحدةٍ ومعتمدةٍ لكل منتجٍ يوفر مزيدًا من الشفافية حول بياناته ومساره، بدايةً من المصدر وحتى وصوله إلى رفوف المتاجر”. وأكّد أن “جي إس 1 الإمارات” تواصل التزامها بأن تكون الشريك الموثوق للبيانات في الدولة، مؤكدًا أن “الكتالوج الوطني للأغذية” ليس محطةً نهائيةً بل نقطة انطلاق، وأن العمل مع “تجمّع الإمارات للغذاء” والشركاء سيتواصل لخدمة القطاع ودعم قدرته التنافسية على المدى البعيد.
وفي كلمته الافتتاحية، استحضر صالح لوتاه، رئيس مجلس إدارة “تجمّع الإمارات للغذاء” ورئيس مجلس إدارة مجموعة مصنّعي الأغذية والمشروبات في الإمارات، الضغوط التي واجهها القطاع خلال السنوات الأخيرة عبر مختلف مراحل سلسلة القيمة، مشيرًا إلى أن تلك التحديات كشفت بجلاءٍ عن ضرورة التكاتف بين جميع أطراف المنظومة. وقال بصراحة: “الأمن الغذائي يعتمد اليوم على توافر بياناتٍ دقيقةٍ وموثوقةٍ عن المنتجات، وقدرة مختلف الأطراف على الاستفادة منها لاتخاذ الإجراءات المناسبة والتعامل بمرونةٍ وسرعةٍ مع احتياجات القطاع”. وأضاف أن الشراكة مع “جي إس 1 الإمارات” جعلت المنظومة “أكثر استعدادًا لما تحمله المرحلة المقبلة”.
لا تنتهي قصة “الكتالوج الوطني للأغذية” عند حدود إطلاقه. صُمّمت المنصة بمرونةٍ هيكليةٍ تسمح بإضافة خدماتٍ واستخداماتٍ جديدةٍ كلما استدعت الحاجة، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن هذه الأداة ستنمو مع القطاع لا أن تتجمّد عند لحظة ولادتها. وهذا بالضبط ما يميّز نهج الإمارات في بناء منظومتها الاقتصادية: بنية تحتيةٌ رقميةٌ مرنةٌ تستوعب التطور وتُسرّعه، بدلًا من أن تكون عائقًا أمامه. في نهاية المطاف، يُمثّل “الكتالوج الوطني للأغذية” أكثر من مجرد قاعدة بياناتٍ موحدة؛ إنه تعبيرٌ عملي عن رؤية دولةٍ تؤمن بأن الشفافية والكفاءة والتعاون بين القطاعين العام والخاص هي الطريق الأقصر نحو قطاعٍ غذائيٍ قادرٍ على المنافسة وصمود أمام تقلبات العالم.




