الكويت والبحرين والأردن تتجه نحو شراكات دفاعية مع باكستان: قراءة في المشهد الاستراتيجي الجديد

تحولات أمنية تعيد رسم خريطة التحالفات

المنطقة تتغير بسرعة لافتة. منذ العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، بات المشهد الأمني الإقليمي مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل أشهر قليلة. في هذا السياق المتقلب، تتجه كل من الكويت والبحرين والأردن نحو إسلام آباد بحثاً عن شراكات دفاعية جديدة، وفق ما كشفته خمسة مصادر مطلعة لوكالة رويترز.

هذا التوجه ليس مصادفة. يعكس إدراكاً متنامياً لدى عواصم المنطقة بأن المعادلات الأمنية التقليدية القائمة على الاعتماد الكامل على واشنطن باتت تحتاج إلى مراجعة جذرية، وأن تنويع مصادر الدعم الدفاعي أصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً.

الاتفاقية السعودية: النموذج الذي يُحتذى به

القصة بدأت مع الرياض. في العام الماضي، أبرمت باكستان اتفاقية دفاعية شاملة مع المملكة العربية السعودية، تضمنت نشر آلاف الجنود الباكستانيين على الأراضي السعودية، إلى جانب طائرات مقاتلة وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي ومنشآت عسكرية متخصصة.

هذه الاتفاقية أثبتت أن باكستان تملك ما تقدمه فعلاً. جيش ضخم ومحترف، وصناعة دفاعية متطورة تشمل تصنيع طائرات مقاتلة محلياً، وتحالفات استراتيجية راسخة مع الرياض تمتد لعقود. النموذج السعودي أصبح المرجع الذي تستلهم منه دول الخليج الأخرى رؤيتها للتعاون مع إسلام آباد.

الكويت: الطاقة مقابل الأمن

ملامح التفاوض الجاري

المفاوضات الكويتية الباكستانية هي الأكثر تفصيلاً في التقارير المتاحة. تسعى الكويت إلى اتفاقية دفاع موسعة تقدم في المقابل تعاوناً في مجالي الطاقة والاستثمار، وهو نموذج تبادلي يصب في مصلحة الطرفين. كشف مصدر باكستاني مطلع على المحادثات أن الكويت تدرس إنشاء مستودع وقود خاضع للإشراف الجمركي في باكستان، ضمن اتفاقية قائمة بين البلدين لتوريد الديزل.

غير أن المفاوضات لا تزال في مراحلها الأولى. مسؤول أمني باكستاني رفيع كان صريحاً حين قال: “قائمة اهتمامات الكويت تشمل كل شيء. لكن دعوني أوضح أمراً واحداً، وهو أننا لا ندرس -ولا يمكن أن ندرس- نشر قوات قتالية في هذه المرحلة”. هذا التحفظ يعكس حسابات دقيقة، لا رفضاً للتعاون.

تعقيدات المشهد الإيراني

الكويت تعرضت لهجمات إيرانية مكثفة خلال العام الجاري. أي اتفاقية دفاع مع إسلام آباد ستطرح تساؤلات جوهرية حول الدور الذي قد تضطلع به باكستان في التوسط بين واشنطن وطهران، وهو دور تؤديه فعلاً إلى جانب قطر في المفاوضات الجارية. مصدر خليجي مطلع على الخطط الأمنية الكويتية وصف باكستان بأنها “خيار آمن”، وهو توصيف يحمل دلالة استراتيجية بالغة.

البحرين والأردن: اهتمام متزايد

البحرين لم تبقَ بعيدة عن هذا المسار. مصدر واحد أكد أن المنامة أبدت اهتماماً بإبرام اتفاقية دفاع مماثلة مع باكستان، دون الكشف عن تفاصيل إضافية في هذه المرحلة.

الأردن يسلك مساراً مختلفاً قليلاً في التفاصيل. ثلاثة مصادر أكدت أن عمّان تسعى إلى اتفاق يشمل صفقات أسلحة وبرامج تدريب عسكري، وهو نهج براغماتي يعكس احتياجات الجيش الأردني الفعلية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

إطار إقليمي أوسع: تركيا في الصورة

الصورة أكبر من مجرد اتفاقيات ثنائية. تعمل تركيا وباكستان والسعودية معاً على إعداد مسودة اتفاقية دفاع مشترك منفصلة عن الاتفاقية الثنائية الباكستانية السعودية. هذا التوجه نحو بناء منظومة دفاعية إقليمية متعددة الأطراف يُجسّد تحولاً نوعياً في هندسة الأمن الإقليمي.

باكستان تنظر إلى هذه الاتفاقيات بعيون اقتصادية أيضاً. إسلام آباد تحتاج بشدة إلى استثمارات خارجية، وتوسيع التعاون في مجال الطاقة يمثل مكسباً مزدوجاً يعزز الأمن ويدعم الاقتصاد في آنٍ واحد.

المشهد الراهن: وقف إطلاق النار وما بعده

في الثامن عشر من يونيو 2026، وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم تضمنت وقفاً لإطلاق النار، وانطلقت مفاوضات بوساطة باكستانية قطرية لإنهاء الحرب. بدا المسار واعداً للوهلة الأولى.

لكن التصعيد عاد بقوة. في الثامن من يوليو 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، بعد أن هاجمت إيران ثلاث سفن في مضيق هرمز، مدّعيةً عدم التزامها بمسار الإبحار المحدد. ردّت واشنطن بضربات داخل إيران، فيما شنّت طهران هجمات على دول خليجية عدة. هذا التصعيد المتجدد يمنح مفاوضات الشراكات الدفاعية الإقليمية زخماً إضافياً لا يمكن إغفاله.

ما الذي تعنيه هذه التحولات للإمارات والمنطقة؟

المشهد الذي يتشكّل أمامنا يكشف عن إعادة هيكلة عميقة لمنظومة الأمن الإقليمي. دول الخليج تبني شراكات متعددة ومتنوعة بدلاً من الاعتماد على حليف وحيد. هذا النهج يتسق مع التوجه الاستراتيجي الإماراتي الذي يؤمن بأن تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية يُعزز السيادة ويُقلل المخاطر.

باكستان تبرز كلاعب إقليمي من الدرجة الأولى. قدراتها العسكرية وصناعتها الدفاعية وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف متعددة تجعلها شريكاً ذا قيمة استراتيجية حقيقية. المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت هذه المفاوضات ستتحول إلى اتفاقيات راسخة تُعيد تشكيل خريطة الأمن الإقليمي بصورة دائمة.