
لماذا تبقى أسعار تذاكر الطيران مرتفعة رغم تراجع أسعار الوقود؟
أزمة خففت حدتها، لكنها لم تنتهِ
في مطلع هذا الصيف، وجد المسافرون حول العالم أنفسهم أمام مفارقة لافتة: أسعار وقود الطائرات تتراجع، وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز تعود تدريجياً إلى مسارها، غير أن تذاكر السفر الجوي تصرّ على البقاء عند مستوياتها المرتفعة. هذا التناقض الظاهر يخفي وراءه منطقاً اقتصادياً معقداً، تتشابك فيه ديناميكيات السوق العالمية مع استراتيجيات شركات الطيران في مرحلة ما بعد الأزمة.
شهدت حركة الطيران العالمية اضطرابات حادة في الأشهر الأخيرة، إذ أثار التوتر في منطقة الخليج مخاوف جدية من شحّ في إمدادات وقود الطائرات تزامناً مع ذروة موسم السفر الصيفي. والسبب في ذلك بسيط: منطقة الخليج توفر نحو خُمس إمدادات وقود الطائرات المنقولة بحراً على مستوى العالم، وهو رقم يكفي وحده لإثارة القلق في عواصم القرار الاقتصادي. وقد بلغت المخاوف ذروتها حين حذّرت وكالة الطاقة الدولية من احتمال اندلاع أكبر أزمة طاقة منذ عقود.
بيد أن مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وما أعقبها من عودة تدريجية للملاحة عبر مضيق هرمز، أسهمت في تخفيف حدة هذا التوتر. وأكد خبير أسواق النفط والطاقة عامر الشوبكي أن التحذيرات كانت تستند إلى معطيات حقيقية، مشيراً إلى أن “ما نراه على الأرض أمر مختلف؛ هناك زيادة في حركة السفر رغم ارتفاع أسعار التذاكر، رغم أن الأزمة لم تنتهِ بعد”.
الخليج في قلب معادلة الطاقة الجوية
تكتسب منطقة الخليج أهمية استراتيجية استثنائية في منظومة الطاقة الجوية العالمية، وهي أهمية كثيراً ما تمر دون أن تحظى بالاهتمام الكافي في النقاشات الاقتصادية. فأوروبا تعتمد على المنطقة لتأمين نحو 24% من احتياجاتها من وقود الطائرات، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 33% في حالة أفريقيا. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تُعدّ مصدِّرةً لهذا الوقود، فإن أوروبا تجد نفسها في موقع هشاشة بنيوية، إذ تعتمد على الاستيراد لتغطية الجزء الأكبر من طلبها، مع اعتماد يقترب من 50% على إمدادات الخليج وفق تقديرات الشوبكي.
يعود هذا الاعتماد الأوروبي الكبير إلى محدودية قدرات القارة في تكرير وقود الطائرات قياساً بحجم الطلب المتنامي على السفر الجوي. وقد كشفت الأزمة الأخيرة عن هذه الهشاشة بجلاء، حين وجدت أوروبا نفسها في مواجهة احتمال نقص حاد في الوقود خلال موسم ذروة السفر. وأكد الشوبكي أن أكثر من نصف حركة السفن عبر مضيق هرمز عادت بالفعل، ومن بينها ناقلات تحمل وقود الطائرات من الكويت ودول خليجية أخرى باتجاه أوروبا، وهو ما أسهم في تخفيف الضغط على الأسعار.
أرقام تروي القصة
الأرقام تكشف بوضوح حجم التقلبات التي شهدها هذا السوق. خلال ذروة الأزمة في أبريل الماضي، بلغ سعر طن وقود الطائرات نحو 1800 دولار، بعد أن كان يتراوح حول 800 دولار في فبراير قبيل اشتعال التوترات. ومنذ ذلك الحين، تراجع السعر إلى نحو 900 دولار للطن، ما يعني انخفاضاً بنسبة تقارب 23% خلال الشهر الأخير وحده. وعلى صعيد موازٍ، أظهرت تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” تحسناً تدريجياً في الحجوزات بين يونيو وسبتمبر، وإن ظلت دون مستويات ما قبل الأزمة، إذ كانت في مايو أقل بنحو 30% مقارنة بفبراير.
لكن هذا التراجع في أسعار الوقود لم ينعكس بعد على تذاكر السفر. والسبب، كما يوضحه الشوبكي، أن شركات الطيران تسعى إلى تعويض الخسائر التي تكبّدتها خلال فترة الأزمة، قائلاً: “التذاكر يختلف أمرها، ربما تتأخر. أسعار الوقود انخفضت.. لكن لم ينعكس على التذاكر لأن الشركات تريد تعويض خسائرها في الفترة الماضية”.
معادلة صعبة بين الربح والطلب
تجد شركات الطيران نفسها أمام معادلة دقيقة: الإبقاء على أسعار مرتفعة لتعويض خسائر الأزمة، دون أن يؤدي ذلك إلى تراجع الطلب. والمفارقة أن الطلب يبدو صامداً بشكل لافت حتى الآن. فحركة السفر الجوي خلال الصيف الحالي تتجاوز مستويات العام الماضي، مع ارتفاع في الطلب الأوروبي يتراوح بين 10 و15%، فيما سجّلت الولايات المتحدة نمواً أكبر. ويُعزى جزء من هذا الطلب القوي إلى توجّه عدد متزايد من المسافرين نحو السفر الجوي بدلاً من البري، في ظل ارتفاع أسعار البنزين.
ويرى الشوبكي أن المشهد سيتغير بعد انتهاء موسم الصيف، حين تبدأ المنافسة بين شركات الطيران بالتصاعد، ما قد يدفع بعضها إلى خفض الأسعار تدريجياً. غير أن المسافرين الباحثين عن تذاكر أرخص ربما يجدون أنفسهم في انتظار طويل، إذ تُدرك شركات الطيران أن الطلب القوي يمنحها هامشاً للمناورة في الوقت الراهن.
في نهاية المطاف، تبقى هذه الأزمة درساً بالغ الأهمية حول الترابط العميق بين استقرار منطقة الخليج وسلاسة حركة الطيران العالمية. فحين تتوتر الأوضاع في هذه المنطقة الحيوية، لا يتوقف الأمر عند حدود الملاحة البحرية، بل يمتد ليطال جيوب المسافرين في كل أصقاع الأرض.




