
“إنفستوبيا بريدج 2026”: أبوظبي تؤكد مكانتها جسراً استثمارياً عالمياً في عالم متحوّل
ثمة رسالة واضحة أطلقتها أبوظبي يوم الثلاثاء، حين احتضنت انطلاق أعمال “إنفستوبيا بريدج 2026”: الإمارات لا تكتفي بمراقبة إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي، بل تضع نفسها في قلب هذا التحوّل. فتحت شعار “الاستثمار في عالم أكثر مرونة وقدرة على التكيف”، جمعت الفعالية أكثر من 30 متحدثاً من الوزراء وصنّاع القرار وقادة الأعمال والمستثمرين، في حضور تجاوز 800 مشارك من شتى أنحاء العالم. والأطروحة المركزية التي تدافع عنها هذه التظاهرة الاقتصادية الكبرى تتلخص في فكرة جوهرية: الإمارات باتت الجسر الذي لا غنى عنه بين رؤوس الأموال والفرص في عالم يزداد تشرذماً وتعقيداً.
افتتح أعمال الحدث معالي عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة، ومعالي محمد حسن السويدي، وزير الاستثمار، وكلاهما رئيس مشارك لمجلس أمناء “إنفستوبيا”. وقد تجلّى في خطابيهما وعي استراتيجي حادّ بطبيعة المرحلة الراهنة. أكد ابن طوق المري أن الإمارات استشرفت مبكراً التحولات المتسارعة في المشهد الاقتصادي العالمي، وبنت استجابتها على ثلاثة محاور متكاملة: تطوير سياسات وتشريعات مرنة وتنافسية، وإبرام شبكة واسعة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية والمادية لترقى إلى المعايير العالمية. هذه الاستثمارات المتراكمة هي ما يمنح الاقتصاد الوطني قدرته على امتصاص الصدمات والتكيّف مع المتغيرات، بدلاً من الانكشاف أمامها.
السياق الجيوسياسي لا يمكن فصله عن هذا الحدث. في ظل حالة التجزؤ المتنامية في الاقتصاد العالمي، حيث تتصاعد الحمائية وتتعقد سلاسل الإمداد وتتقلب تدفقات رأس المال، يغدو دور الوسيط الموثوق أكثر قيمة من أي وقت مضى. وهذا بالضبط ما أشار إليه وزير الاستثمار محمد حسن السويدي حين قال إن رؤوس الأموال العالمية “أصبحت أكثر انتقائية”، وإن المستثمر لم يعد يبحث فقط عن العوائد بل عن الثقة في السوق والشريك معاً. الإمارات تقدّم نفسها بوصفها هذا الشريك الجدير بالثقة، وهي ليست مجرد ادّعاء خطابي، بل تُدعّمه حقائق ملموسة: موقع جغرافي يربط الشرق بالغرب، وبيئة أعمال مصنّفة ضمن الأفضل عالمياً، واقتصاد أثبت صموده أمام موجات متعاقبة من الاضطرابات الإقليمية والدولية.
البرنامج نفسه يعكس هذا الطموح في هيكله وموضوعاته. انطلق الحوار من منظور الحكومات وصنّاع السياسات حول آفاق النمو وأهمية الثقة في تعزيز مرونة الاقتصادات، ثم انتقل إلى قادة القطاع الخاص لاستعراض كيفية استجابة الأعمال لهذه التحولات والفرص التي تتيحها ممرات النمو الجديدة، ليصل أخيراً إلى المستثمرين ومديري رؤوس الأموال في نقاش حول القواعد الجديدة للاستثمار: تطور دور الصناديق السيادية، وصعود فئات استثمارية جديدة، وتحولات استراتيجيات توزيع الأصول عبر الحدود. وقد سلّطت الفعالية الضوء على قطاعات بعينها تمثّل عصب الاقتصاد الجديد، من الرعاية الصحية والتصنيع المتقدم والتقنيات النظيفة إلى البنية التحتية الرقمية والتمويل الرقمي ورأس المال الجريء والأصول الاستثمارية الرقمية.
الحضور الدولي الرفيع في الفعالية يقول الكثير. إلى جانب المسؤولين الإماراتيين، شارك وزراء من لبنان وإيطاليا وأوزبكستان وإسكتلندا، فضلاً عن سعادة سوزان لانغلي، عمدة الحي المالي في لندن، التي أكدت متانة الشراكة الاقتصادية بين الإمارات والمملكة المتحدة، مشيرةً إلى أن الجمع بين الطموح الاستثماري الإماراتي وخبرات لندن في إدارة المخاطر يفتح آفاقاً واسعة للنمو المشترك. هذا التنوع الجغرافي في المشاركة ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل هو دليل فعلي على أن أبوظبي تحوّلت إلى ملتقى للحوار الاقتصادي الجدي.
ولا يمكن فهم “إنفستوبيا بريدج 2026″ بمعزل عن سياقها المؤسسي. فـ”إنفستوبيا” هي إحدى المبادرات الرئيسية ضمن الحزمة الأولى من “مشاريع الخمسين” التي أطلقتها حكومة الإمارات عام 2021، بهدف بناء اقتصاد الأكثر ابتكاراً وتنافسية في العالم. وهذا الحدث “الجسري” لا يُعدّ غاية في ذاته، بل هو مرحلة انتقالية نحو النسخة الرئيسية المقبلة من إنفستوبيا في عام 2027، وهو ما يمنحه بُعداً استراتيجياً يتجاوز الطابع الحدثي المعتاد.
الرهان الإماراتي في نهاية المطاف ليس مجرد استضافة ملتقيات دولية، بل تحويل هذه الملتقيات إلى شراكات استثمارية فعلية وصفقات قابلة للقياس والمتابعة. وهذا ما تجسّده الطاولات المستديرة القطاعية والدولية التي تستضيفها الفعالية على هامش الجلسات الرئيسية، إذ تتيح نقاشات مباشرة بين المستثمرين وصنّاع السياسات وقادة الشركات لاستكشاف فرص بعينها وبناء شراكات عملية. في عالم تتراجع فيه الثقة وتتصاعد فيه المخاطر، تراهن الإمارات على أنها تملك ما يلزم لتكون المكان الذي تتحوّل فيه رؤوس الأموال العالمية إلى نمو حقيقي.




