منتدى العين لأعمال المستقبل: حين تتحوّل مدينة إلى بيئة حاضنة للاقتصاد الجديد

العين تُعيد تعريف دورها الاقتصادي

لم تعد العين مجرد مدينة تراثية تستمد مكانتها من نخيلها وأفلاجها وموروثها الحضاري العريق، بل باتت تُثبت بخطى متسارعة أنها قادرة على احتضان اقتصاد المستقبل بكل تعقيداته وفرصه. منتدى العين لأعمال المستقبل، الذي انطلق في الثالث والعشرين من سبتمبر 2026، يُجسّد هذه التحولات بوضوح لافت، إذ يجمع تحت سقف واحد رواد الأعمال والمستثمرين والجهات الحكومية في مشهد يكشف عن إرادة استراتيجية واضحة: تحويل العين إلى منصة اقتصادية متكاملة تنبثق من رؤية الإمارات للتنويع والابتكار.

الأطروحة التي يُقدّمها المنتدى ليست مجرد فعالية موسمية، بل هي رسالة بنيوية مفادها أن المدن الإماراتية غير الساحلية قادرة على أن تصنع نماذجها الاقتصادية الخاصة، مستفيدةً من الدعم المؤسسي وجاذبية بيئة الأعمال التي رسّختها الدولة على مدار عقود.

أرقام تحكي قصة نمو حقيقي

ما يمنح هذا المنتدى ثقلاً تحليلياً يتخطى الخطاب الاحتفالي هو المعطيات الملموسة التي رافقت انعقاده. فقد كشف وكيل دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي عن ارتفاع عدد الرخص التجارية الجديدة في العين بنسبة 35 بالمئة خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، وهو رقم يعكس زخماً استثمارياً يصعب إسناده إلى المصادفة. في السياق ذاته، أعلنت موزة الناصري أن برنامج “مزن هب العين” استقطب أكثر من أربعة عشر ألف رائد أعمال، مما يدل على أن المنظومة الداعمة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة باتت تعمل بكفاءة قابلة للقياس.

هذه الأرقام ليست معزولة. فقد أكدت رابطة الإمارات للفرانشايز أن العين تمتلك مقومات بنيوية تدعم نمو قطاع الامتياز التجاري، في حين حرص هيئة أبوظبي للاستثمار على ربط المستثمرين العالميين بنظرائهم المحليين على هامش المنتدى، مما يُرسّخ صورة العين بوصفها سوقاً ناضجة لا مجرد مدينة ناشئة.

التنويع الاقتصادي في أبهى تجلياته

ما يستحق الإشارة بعمق هو التنوع الحقيقي في القطاعات التي احتضنها المنتدى. فقد برزت مشاريع إماراتية ناشئة تمتد من الزراعة الذكية إلى التكنولوجيا المالية، ووصلت حتى قطاع سباقات الهجن الذي يُعاد تأطيره اليوم بوصفه صناعة تقنية واعدة لا مجرد تراث شعبي. هذا التوليف بين الأصالة والتقنية يُعبّر عن فلسفة إماراتية راسخة: لا تناقض بين الهوية والحداثة، بل إن الهوية يمكن أن تكون وقوداً للابتكار.

رواد الأعمال الإماراتيون الذين عرضوا حلولهم في مجالي الصحة والزراعة يُمثّلون جيلاً جديداً يُحوّل التكنولوجيا إلى إجابات عملية لتحديات محلية وإقليمية حقيقية. هذا التوجه يتسق تماماً مع مساعي الإمارات لبناء اقتصاد معرفي لا يعتمد على ريع النفط وحده، بل يُنتج قيمة مضافة من الرأس المال البشري والابتكار.

منصة لا حدث

الفارق الجوهري بين المنتدى بوصفه حدثاً عابراً وبينه بوصفه منصة مستدامة يكمن في البنية التحتية المؤسسية التي تقف خلفه. فالتزامن بين افتتاح مركزين جديدين للفحص الطبي في أبوظبي والعين، ونشاط هيئة أبوظبي للاستثمار، وحضور دائرة التنمية الاقتصادية، يُشير إلى أن ما جرى في العين ليس مبادرة معزولة بل جزء من منظومة سياسات متكاملة تعمل بتنسيق مؤسسي واضح.

العين، بهذا المعنى، لا تنتظر الفرص بل تصنعها. والمنتدى في نسخته الأولى ليس سقفاً بل أرضية، تُبنى عليها طبقات من الشراكات والاستثمارات والأفكار التي ستُعيد رسم خريطة اقتصادية لمدينة طالما عُرفت بجمالها الطبيعي، وهي اليوم تُضيف إلى ذلك الجمال عمق الطموح وصرامة التخطيط.