
قفزة حادة في أسعار النفط: برنت يتخطى 90 دولاراً وسط مواجهة أمريكية-إيرانية تهدد شرايين الطاقة العالمية
لم تكن الأسواق النفطية في حاجة إلى كثير من الإشارات لتدرك حجم ما يجري. منذ اللحظة التي بدأت فيها التوترات العسكرية تتصاعد بين واشنطن وطهران في منطقة الخليج، بدأت عقارب أسعار الخام تتحرك بثبات نحو الأعلى، في مسار يعكس قلقاً حقيقياً من انقطاع الإمدادات عبر أكثر الممرات المائية حساسية في العالم.
في بداية التصعيد، كانت أسعار خام برنت تتداول دون مستوى 88 دولاراً للبرميل. ثم جاءت الأنباء متلاحقة. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء الهدنة المؤقتة مع إيران، واستأنفت القوات الأمريكية ضرباتها على مواقع عسكرية إيرانية، فردّت طهران باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة. المشهد بات واضحاً: مواجهة مفتوحة، لا حرب باردة.
الأسواق تحركت بسرعة.
قفز خام برنت بنسبة 3% في جلسة واحدة، متجاوزاً حاجز 90 دولاراً للبرميل ومسجلاً 90.74 دولاراً — وهو مستوى لم يُرَ منذ أكثر من شهر. لم يكن الرقم مجرد حركة تقنية؛ كان رسالة من المتداولين مفادها أن المخاطر الجيوسياسية باتت سعراً.
بعد أيام قليلة، كشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز أن إيران طلبت من حركة الحوثي في اليمن الاستعداد لإغلاق طريق الملاحة في البحر الأحمر، وذلك في حال شنّت الولايات المتحدة ضربات على البنية التحتية للطاقة الإيرانية. هذا الكشف وحده كان كافياً لإضافة طبقة جديدة من القلق إلى الأسواق. فمضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر، ليس ممراً عادياً — إذ يعبر منه نحو 7% من النفط الخام العالمي يومياً.
بالتوازي مع ذلك، استمرت المخاوف تتراكم حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس الإمدادات النفطية والغازية العالمية. قبل اندلاع المواجهة المباشرة، كانت حركة الملاحة فيه تسير بصعوبة؛ أما الآن، فإن أي تعطل إضافي يعني ضغطاً تصاعدياً لا يتوقف.
المحللون لم يتأخروا في رسم السيناريوهات. حذّر عدد منهم من أن استمرار التصعيد قد يدفع برنت نحو 100 دولار للبرميل، خاصة إذا طال أمد الاضطرابات في الإمدادات. والأخطر من ذلك ما وصفوه بـ”سيناريو مزدوج المخاطر”: تزامن تعطل مضيق هرمز مع إغلاق البحر الأحمر في آنٍ واحد، وهو ما سيُلقي بظلاله الثقيلة على سلاسل التوريد العالمية بأسرها.
الأثر لم يقتصر على النفط. ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة 4% في الفترة ذاتها، مُعيداً إلى الواجهة مخاوف التضخم في القارة العجوز التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة.
صندوق النقد الدولي لم يصمت. حذّر الصندوق من أن تجدد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط سيلحق ضرراً مباشراً بالنمو الاقتصادي العالمي ويُفاقم الضغوط التضخمية في وقت تسعى فيه البنوك المركزية الكبرى إلى تحقيق توازن دقيق.
بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، يُجسّد هذا المشهد تحدياً جيوسياسياً حقيقياً في محيطها الإقليمي المباشر. فالدولة، التي تضخّ جهوداً استراتيجية هائلة في تنويع اقتصادها وتعزيز مكانتها مركزاً مالياً ولوجستياً عالمياً، تراقب بدقة كيف تنعكس هذه التطورات على حركة التجارة والاستثمار في المنطقة. استقرار ممرات الملاحة ليس مجرد مصلحة نفطية — إنه ركيزة أساسية لمنظومة التجارة العالمية التي تقع الإمارات في قلبها.
الأسعار ترتفع. المخاطر تتضاعف. والعالم ينتظر ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.




