حلف مكة: تحالف براغماتي في زمن إعادة رسم خرائط القوة الإقليمية
في السابع من أغسطس، وقّعت باكستان والسعودية وتركيا على اتفاقية دفاعية مشتركة في مكة المكرمة، تنصّ على أن أي هجوم على إحداها يُعدّ هجوماً على الجميع، على غرار المادة الخامسة من ميثاق الناتو. سارع كثيرون إلى تسمية هذا التحالف “ناتو سنياً”، وأعاد آخرون إلى الأذهان مفهوم “الهلال” الذي صاغه الملك عبدالله الثاني ملكُ الأردن عام 2004، حين حذّر من “هلال شيعي” يمتد من طهران إلى بيروت مروراً ببغداد ودمشق. غير أن التسرّع في قراءة هذا الحلف من زاوية طائفية وحدها يُخفي أكثر مما يُضيء.
إن النظر الفاحص في تركيبة هذا التحالف الثلاثي يكشف عن طبقات من المصالح الوطنية التي تتجاوز الهوية الدينية بمراحل. فالسعودية تسعى إلى ضمانات أمنية موثوقة في مرحلة باتت فيها الهجمات على البنية التحتية الخليجية تُثير تساؤلات جدية حول مدى صمود الحماية الأمريكية. وتركيا، العضو في حلف الناتو، تُراجع حساباتها الاستراتيجية وتُشكّك في قدرة الحلفاء الغربيين على الدفاع عنها في لحظات الأزمات الحادة. أما باكستان فتمتلك جيشاً ضخماً ذا خبرة ميدانية واسعة، وترسانة نووية، وشبكة من الروابط الدفاعية تمتد من بكين إلى الرياض، مما يجعلها شريكاً استراتيجياً ذا ثقل حقيقي لا يُستهان به.
ولفهم ما يجري بعمق، يستحق الأمر استحضار أدوات نظرية العلاقات الدولية. يرى الواقعيون أن المصالح الأمنية هي المحرك الأول للسياسة الخارجية، بعيداً عن الأيديولوجيا أو الهوية. وفي هذا الإطار، تبدو الدول الثلاث أقرب إلى دول تُحوّط مخاطرها الاستراتيجية في بيئة إقليمية متقلبة، منها إلى كتلة طائفية تتحد ضد عدو مذهبي مشترك. أما البنائيون فيذهبون إلى أن الهويات الطائفية ليست ثوابت تاريخية، بل هي مفاهيم تُصنعها النخب وتُوظّفها في لحظات الأزمات لحشد الرأي العام والفاعلين السياسيين. ويُقدّمون دليلاً لافتاً: دعم إيران لأرمينيا المسيحية في مواجهة أذربيجان الشيعية، مما يُثبت أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تختزل في التضامن المذهبي.
ثمة أدلة إضافية تُعزّز هذه القراءة البراغماتية. فباكستان، التي تجمعها بطهران علاقات تاريخية وثيقة، أكدت أن الاتفاق “دفاعي بحت”، وأرسلت رئيس وزرائها لحضور جنازة المرشد الأعلى الإيراني. وتركيا لم تُخفِ تصريحها بأن الحلف ليس موجهاً ضد إيران. وأعادت السعودية نفسها علاقاتها الدبلوماسية مع طهران عام 2023 بوساطة صينية، وهي خطوة لا تتسق مع صورة المواجهة الطائفية المفتوحة. علاوة على ذلك، تضم الدول الثلاث جميعها أقليات شيعية معتبرة بين مواطنيها، مما يُعقّد أي قراءة تُصوّر الحلف كثقل سني خالص في مواجهة إيران.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى التباين الجوهري بين حلف مكة واتفاقيات أبراهام. فاتفاقيات أبراهام، التي تدعمها الإمارات بوصفها اختياراً استراتيجياً واعياً، سعت إلى إعادة رسم خرائط المنطقة عبر التطبيع الدبلوماسي مع إسرائيل وفتح آفاق التجارة والاستثمار والتعاون الأمني. وهي رؤية لنظام إقليمي جديد تتمحور حول بناء جسور التعاون عبر الحدود التاريخية. أما حلف مكة فيسلك مساراً مختلفاً، إذ يرتكز على الدفاع الجماعي بين ثلاث قوى إسلامية دون أن يُعيد رسم علاقات التطبيع الإقليمية بالمعنى الذي أرسته الاتفاقيات الإبراهيمية. الفارق بين المشروعين جوهري: أحدهما يبني شراكات مع إسرائيل، والآخر يبني هيكلاً أمنياً إسلامياً مستقلاً.
والتاريخ يُلقي بظلاله هنا بقوة. فحلف بغداد عام 1955، الذي جمع العراق وتركيا وإيران وباكستان والمملكة المتحدة في ترتيب أمني مدعوم غربياً لاحتواء النفوذ السوفييتي، بدا هائلاً على الورق، لكنه سرعان ما تفكّك حين تعارضت المصالح القومية مع بعضها. وغياب مصر والعراق عن حلف مكة، رغم ثقلهما العربي، يُضاف إلى هذا السياق التحذيري. في المقابل، يختلف حلف مكة عن بغداد في نقطة جوهرية: فهو ليس اتفاقية احتواء برعاية غربية، بل مبادرة تُطلقها القوى الإقليمية لبناء هيكلها الأمني الجماعي المستقل، وهو توجه يعكس تحولاً حقيقياً في طبيعة النظام الإقليمي.
لقد أسهمت الحروب في غزة واليمن وسوريا في كسر الافتراض القائل بأن الأمن الإقليمي يمكن تفويضه بأمان إلى واشنطن. والسعودية وباكستان وتركيا لا تتخلى عن علاقاتها مع الولايات المتحدة، لكنها تُنوّع خياراتها وتُقلّص اعتمادها على ضامن خارجي وحيد. وهذا جوهر ما يجري: إعادة توزيع لأوراق الأمن الإقليمي في مرحلة تتسم بالتعددية والغموض الاستراتيجي، لا تكتلٌ طائفي يُعلن حرباً باردة جديدة.
ما إذا كان حلف مكة سيتحول إلى ترتيب أمني متين أو يُصبح مجرد هامش في صفحات التاريخ كحلف بغداد، فذلك رهينٌ بقدرة الرياض وإسلام آباد وأنقرة على تحويل شعور مشترك بانعدام الأمن إلى مصالح استراتيجية متشابكة ومتينة. التحالفات التي تولد من رحم التهديدات المشتركة أقل ديمومة من تلك التي ترتكز على مصالح مشتركة حقيقية. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي ينتظر حلف مكة في الأيام والسنوات المقبلة.




