الثمن الخفي للمنزل الذكي: ما الذي تتنازل عنه حقاً حين تضغط “موافق”؟

تخيّل أنك تجلس في غرفة معيشتك، والمكنسة الروبوتية تشقّ طريقها بصمت بين الأثاث، والكاميرا الصغيرة المثبّتة عند الباب تومض بضوئها الأخضر الهادئ. كل شيء يبدو تحت السيطرة؛ راحة تكنولوجية تامة. لكن في تلك اللحظة بالذات، وفي خوادم تقع على بُعد آلاف الكيلومترات، تجري معالجة بيانات لم تُفكّر يوماً في أنك منحتَ إذناً بجمعها.

باتت المنازل الذكية ظاهرة لا تقاوَم في الإمارات وسائر أنحاء العالم، إذ يتسابق الملايين نحو أجهزة تعِد بتوفير الوقت والجهد وتعزيز الأمان. غير أن ثمة ضريبة مخفية تترافق مع هذه الراحة، ضريبة لا تُقاس بالدرهم ولا بالدولار، بل بشيء أثمن من ذلك: بيانات الحياة اليومية داخل جدران المنزل.

أكثر من مجرد تنظيف وتصوير

الكاميرا المنزلية لا تكتفي بتصوير الباب الأمامي. والمكنسة الروبوتية لا تكتفي بشفط الغبار. فهذه الأجهزة قادرة، بحسب طرازاتها وإعداداتها، على جمع خرائط تفصيلية لتصميم المنزل، وتسجيلات صوتية ومرئية، ومعلومات عن الشبكة المحلية، وسجلات استخدام دقيقة مرتبطة بحساب المستخدم وتطبيق الهاتف وخدمات سحابية بعيدة. والأكثر إثارةً للتأمل أن الجزء الأهم من هذه المعادلة لا يظهر في صفحات المواصفات التقنية البراقة، بل يختبئ في بنود سياسات الخصوصية التي يُمرّر عليها المستخدم إصبعه بلا تمعّن ليضغط “موافق”.

المكنسة التي ترسم خريطة بيتك

تقدّم آي روبوت رومبا (iRobot Roomba) نموذجاً صارخاً على حجم البيانات التي يمكن أن ينتجها جهاز مصمَّم في الأساس للتنظيف. تُفصح سياسة الشركة عن جمع معلومات تشمل عمر البطارية وعدد مهام التنظيف ومعرّف الجهاز وبيانات تحديد الموقع والخرائط الداخلية للمنزل. وفي الطرازات المزوّدة بكاميرات، يمتد نطاق البيانات ليشمل مخططات الطوابق والمناطق المحظورة والأجسام التي تتعرّف إليها الكاميرا، فضلاً عن مواقع نقاط الاتصال اللاسلكي على الشبكة المحلية. تقول الشركة إن هذه البيانات تخدم تشغيل الخدمة وتشخيص المشكلات وتطوير المنتجات، وتستعين بمزوّدي خدمات خارجيين لمعالجتها.

أما روبوروك (Roborock)، فتؤكد في سياستها المحدَّثة عام 2025 أنها لا تبيع البيانات الشخصية لأطراف ثالثة، لكنها تُقرّ بإمكانية مشاركتها في حالات محددة تشمل موافقة المستخدم والالتزامات القانونية والشركاء المشغّلين للخدمة. والأبرز في سياستها أن البيانات تُخزَّن في مراكز بيانات موزّعة بين الصين وألمانيا والولايات المتحدة، مع إمكانية وصول كيانات من مجموعة الشركة إليها من خارج بلد المستخدم عند الحاجة. وتنبّه الشركة صراحةً إلى أن حذف البيانات لا يعني اختفاءها الفوري من النسخ الاحتياطية.

وتسير إيكوفاكس ديبوت (Ecovacs Deebot) ودريم (Dreame) على المنوال ذاته، إذ تعتمد ميزاتهما المتقدمة على تطبيقات متصلة بالسحابة تجمع خرائط ثنائية وثلاثية الأبعاد وبيانات تفاعل صوتي وسجلات استخدام مفصّلة. وتنصّ سياسة دريم صراحةً على أن مجرد استخدام الخدمة يُعدّ قبولاً لممارسات معالجة البيانات الموضّحة فيها.

الكاميرا: المشكلة أعمق من الفيديو

تُقرّ غوغل نيست كام (Google Nest Cam) بأن بياناتها تشمل معلومات إعداد الجهاز ومكانه داخل المنزل وبيانات المستشعرات، إضافةً إلى الصوت والفيديو والمعلومات المستخلصة منهما، كاكتشاف الأشخاص والأجسام والأصوات والحركة. وبعض الطرازات قادرة على رصد السعال والشخير والتعرّف على الوجوه حين تُفعَّل هذه الخاصية. تؤكد غوغل أنها تفصل هذه التسجيلات عن منظومة الإعلانات، غير أن استخدام نيست جنباً إلى جنب مع خدمات غوغل الأخرى كـ”أسيستانت” أو يوتيوب قد يُدخل بيانات النشاط في المنظومة الأوسع للشركة، مما قد يؤثر في الإعلانات المعروضة وفق إعدادات المستخدم.

وتكشف قضية رينغ (Ring) عن البُعد الأشدّ خطورة في هذه المعادلة. ففي عام 2023، اتهمت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية الشركة بالسماح لموظفين ومتعاقدين بالاطلاع على تسجيلات خاصة للعملاء، واستخدام تلك التسجيلات لتدريب خوارزميات دون موافقة أصحابها، إلى جانب إخفاقات أمنية أتاحت لقراصنة السيطرة على حسابات وكاميرات. وفي عام 2024، أعلنت اللجنة توزيع أكثر من 5.6 ملايين دولار على المستهلكين المتضرّرين في إطار التسوية. قضية واحدة تلخّص مخاطر حقيقية لا افتراضية.

أما يوفي (Eufy)، فتكشف سياستها المحدَّثة مطلع عام 2026 عن نطاق واسع من البيانات المجموعة، يشمل معرّفات الأجهزة والشبكات وعناوين IP وSSID والصوت والصور والفيديو، مع إمكانية استخدام بعضها لأغراض التسويق والإعلانات المخصّصة في سياقات معيّنة. وتُضاف إلى المشهد تي بي لينك تابو (TP-Link Tapo)، التي وثّقت دراسة أكاديمية ثغرات في أحد طرازاتها تتيح احتمالاً للتنصّت على بثّ الفيديو، مما يؤكد أن الحماية لا تتوقف على سياسة الخصوصية وحدها، بل على جودة تصميم البروتوكولات والبرمجيات في جوهرها.

حين تتحوّل المكنسة إلى أداة مراقبة

الخطر لا يكمن فقط في ما تجمعه الشركات بموافقة المستخدم، بل فيما يمكن أن يصل إليه المخترقون حين تنكشف الثغرات. في عام 2024، كشف باحثون في أمن المعلومات عن ثغرات في مكانس إيكوفاكس ديبوت تُتيح الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والتحكم في الروبوت عن بُعد. وفي إحدى الحوادث الموثّقة، تعرّضت أجهزة في الولايات المتحدة للاختراق فعلياً، وتمكّن المهاجمون من تشغيل الصوت والتحكم في حركة الروبوت داخل المنازل.

وفي عام 2025، كشف الباحث الأمني سامي أزدوفال عن خلل في التحقق من صلاحيات الوصول على خوادم دي جيه آي رومو (DJI Romo)، أتاح له الوصول إلى نحو سبعة آلاف روبوت، ومشاهدة بث الفيديو والصوت وإنشاء خرائط ثنائية الأبعاد للمنازل. أقرّت دي جيه آي بالمشكلة وأعلنت معالجتها في فبراير الماضي. سبعة آلاف منزل. ليست أرقاماً افتراضية.

الصور التي خرجت من المنزل

ولعلّ أبلغ مثال على مخاطر سلسلة توريد البيانات ما جرى مع آي روبوت عام 2022، حين تسرّبت عبر الإنترنت صور التقطتها روبوتات رومبا أثناء برنامج لتطوير تقنيات الرؤية والذكاء الاصطناعي، بينها صور لأشخاص داخل منازلهم في أوضاع خاصة. أكدت الشركة أن الأجهزة المعنية كانت نماذج تطوير لا أجهزة استهلاكية، وأن أصحابها وافقوا على إرسال البيانات. لكن تلك البيانات وصلت إلى متعاقدين متخصصين في تصنيف البيانات، ومنهم تسرّبت إلى مجموعات على الإنترنت.

المغزى عميق: حتى حين تُقدَّم الموافقة لغرض مشروع، فإن البيانات تعبر سلسلة من الشركات والمقاولين ومزوّدي الخدمات، وكل حلقة إضافية في تلك السلسلة تُفتح معها نافذة جديدة للمخاطر.