
الإمارات تُعيد تعريف القوة: دبلوماسية الحضور الفاعل في عالم متحوّل
في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تتقاطع خطابات الدول وتتصادم مصالحها، وقف معالي خليفة شاهين المرر ليُلقي كلمة الإمارات العربية المتحدة أمام الدورة الحادية والثمانين. لم يكن المشهد استعراضاً خطابياً عابراً، بل كان تجسيداً لفلسفة راسخة في السياسة الخارجية الإماراتية: أن القوة الحقيقية لا تكمن في حجم النفوذ وحده، بل في القدرة على توظيفه بذكاء، وفتح الأبواب حين يُحكم الآخرون إغلاقها، وبناء الجسور في أوقات يلجأ فيها كثيرون إلى هدمها.
جاء الخطاب ليعكس نهجاً باتت تُعرَّف به أبوظبي على الساحة الدولية: الواقعية في قراءة موازين القوة، والمرونة في التعامل مع تعقيداتها، والقدرة على تحويل الحضور الدبلوماسي إلى نتائج ملموسة تتجاوز حدود التصريحات والمواقف المُعلنة.
دولة تُدير التعقيد ولا تهرب منه
في عالم يتجه بسرعة متصاعدة نحو الاستقطاب، حيث تُضغط الدول للانحياز إلى محاور متنافسة وتُعاقَب على التردد، اختارت الإمارات مساراً مغايراً. فهي عضو في مجموعة بريكس، وتواصل توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتحافظ في الوقت ذاته على شراكتها الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة، إلى جانب التزامها بمنظومة متعددة من الاتفاقيات الدولية. هذا التنوع في الشراكات ليس تذبذباً في الموقف، بل هو سياسة خارجية محسوبة تقوم على حماية المصالح الوطنية وتوسيع هامش الاستقلالية في القرار.
لا تنظر الإمارات إلى تعدد مراكز القوة باعتباره معضلة تستوجب الاختيار بين أطرافها، بل واقعاً يستدعي إدارة متوازنة ومتأنية. وقد اكتسب هذا النهج أهمية استثنائية في ظل التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتراجع قنوات الحوار وتشتد حدة الخطاب السياسي. في هذا المناخ، آثرت أبوظبي أن تؤكد قيمة التواصل، حتى حين تبلغ الخلافات ذروتها.
من الخطاب إلى الوساطة الفعلية
ما يميز الدبلوماسية الإماراتية أنها لا تكتفي بإطلاق المواقف من على المنابر، بل تترجمها إلى مبادرات ميدانية ذات أثر قابل للقياس. فحين وقف ممثل الإمارات أمام الجمعية العامة، كان خلفه سجل دبلوماسي حافل: مساهمة فاعلة في عمليات تبادل آلاف الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، واستضافة محادثات السلام بين أذربيجان وأرمينيا، وجهود مستمرة لخفض التوترات في مناطق تمتد من جنوب آسيا إلى ليبيا واليمن ومنطقة الساحل الأفريقي.
إعادة فتح قناة اتصال، أو تيسير لقاء بين أطراف متخاصمة، قد يحقق ما تعجز عنه سنوات من التصريحات السياسية. هذا ما تفهمه الإمارات جيداً. والوساطة لا تعني بالضرورة ضمان الحلول، لكنها تعني امتلاك العلاقات والمصداقية اللازمتين للجلوس مع جميع الأطراف، وهو ما أضحى ميزة نادرة في عالم اليوم.
ملفات المستقبل: المناخ والمياه والذكاء الاصطناعي
لا تقتصر الدبلوماسية الإماراتية على إدارة الأزمات السياسية أو احتواء النزاعات. فهي تنخرط بعمق في الملفات الكبرى التي ستحدد ملامح العالم في العقود المقبلة. واستضافة أبوظبي مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026 تأتي في هذا الإطار، إذ باتت قضية المياه تتشابك مع الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل المجتمعات، ولا سيما في المناطق التي تعاني شح الموارد. إنها قضية تتجاوز الحدود السياسية وتتيح للإمارات توسيع نطاق التعاون في مساحات يمكن فيها إحراز تقدم حقيقي.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي، لم يعد دور الإمارات مقتصراً على تبني التكنولوجيا وتطوير تطبيقاتها المحلية، بل امتد إلى دعم بناء القدرات في الدول النامية وتعزيز الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات بما يتوافق مع القانون الدولي. هذا التوجه يرسّخ صورة الإمارات شريكاً في صياغة مستقبل التكنولوجيا، لا مجرد مستهلك لها.
النفوذ الإنساني: حين تصنع المساعدات الفارق
تحت القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، رسّخت الإمارات حضورها الإنساني بوصفه ركيزة لا تنفصل عن سياستها الخارجية. ففي غزة، قدّمت الدولة مساعدات إنسانية واسعة النطاق، سخّرت من أجلها موارد مالية ضخمة وإمكانات لوجستية متقدمة وجهوداً دبلوماسية متواصلة لإيصال المساعدات المنقذة للحياة في ظل ظروف ميدانية بالغة الصعوبة، مما رسّخ مكانتها أكبر جهة مانحة للمساعدات الإنسانية لغزة.
النفوذ الدولي لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو متانة التحالفات. إنه يُقاس أيضاً بما تستطيع الدول تقديمه للإنسان في أوقات المحن. وفي السودان كما في غيره من الملفات الإقليمية، تؤكد الإمارات أهمية حماية المدنيين ودعم الاستقرار والسعي نحو ترتيبات سياسية تُتيح قيام حكم مدني بعيداً عن هيمنة الجماعات المتطرفة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يحتاج إلى صون كرامة الإنسان وتهيئة الظروف التي تسمح للمجتمعات باستعادة عافيتها.
شراكة اقتصادية ذات أبعاد استراتيجية
على المستوى الاقتصادي، أحرزت الإمارات نقلة نوعية في ترسيخ نفوذها العالمي، محققةً توسعاً استراتيجياً في الأسواق الدولية ورائدةً مساراً جديداً في الشراكة المستدامة مع دول الجنوب العالمي. وتتكامل هذه الرؤية الاقتصادية مع الاستثمار في الإنسان وتوسيع فرص المشاركة الاجتماعية وتعزيز حضور المرأة في مختلف مجالات الحياة، إذ إن التقدم لا يتحقق بالتكنولوجيا والاستثمار وحدهما، بل يحتاج إلى مجتمعات قادرة على إطلاق طاقات أبنائها والاستفادة الكاملة من إمكاناتهم.
وتضع الإمارات التسامح والسلام والأمن في صميم توجهاتها، وتتعامل مع التطرف وخطاب الكراهية والتحريض على العنف باعتبارها عوامل تُهدد استقرار المجتمعات وتُغذّي الصراعات. هذه ليست مجرد قيم مُعلنة، بل هي مبادئ عملية تنعكس على كل اختيار في السياسة الخارجية.
قوة تُبنى من الداخل وتُقاس بالأثر
تكشف مشاركة الإمارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن فهم متجدد لمعنى القوة في القرن الحادي والعشرين. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالتحالفات وحدها، والنفوذ لا يُبنى بالخطابات والمواقف المعلنة فقط. إنه يتشكّل من شبكة واسعة ومتشعبة من العلاقات، ومن القدرة على الوساطة والاستثمار والعمل الإنساني والمساهمة الفعلية في معالجة القضايا التي تشغل العالم.
مكانة الدول في عالم اليوم لا تتحدد فقط بما تملكه من موارد، بل بما تستطيع إنجازه، وبمدى حاجة الآخرين إلى دورها. من خلال الجمع بين الدبلوماسية الناعمة والاقتصاد المتنامي والعمل الإنساني الفاعل والابتكار التكنولوجي، تواصل الإمارات توسيع هذا الدور وترسيخ حضورها شريكاً لا غنى عنه في صياغة ملامح النظام الدولي الآتي. وهذا بالضبط ما يجعل تجربتها جديرة بالمتابعة والتأمل.




