
اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المشترك: تحالف ثلاثي يُعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي
وقّعت كلٌّ من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقيةً للدفاع المشترك تُعدّ من أبرز التحولات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وما يتصل بها من محيط إسلامي، وذلك في خضمّ مرحلة إقليمية بالغة التعقيد تتشابك فيها المصالح وتتصاعد فيها التهديدات. وقد وصف وزير الخارجية التركي هذا الاتفاق بأنه يماثل من الناحية الفنية المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو المتعلقة بالدفاع الجماعي، مشيرًا إلى أن الاتفاقية ستُفضي إلى إنشاء أمانة عامة ولجنة وزارية مشتركة على غرار الهياكل المؤسسية للحلف الأطلسي.
وأكد رئيس الوزراء الباكستاني أن هذه الاتفاقية “ستكون درعًا للسلام والرخاء للأجيال القادمة”، في حين أوضح المسؤولون الأتراك أن مصر قد تنضم إلى الاتفاقية في مرحلة لاحقة فور تسوية بعض المسائل الفنية العالقة. وقد شدّد المسؤولون في الدول الثلاث على الطابع الدفاعي الصرف للتحالف، إذ صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن أي اعتداء عسكري على إحدى الدول الأعضاء سيُعدّ اعتداءً على الدول الثلاث مجتمعةً.
سياق استراتيجي متحوّل
يأتي هذا التحالف في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم شاملة لتوازنات القوى، في ظل تراجع الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية وتصاعد الحديث عن احتمالات انسحاب واشنطن التدريجي من المنطقة. وتجد دول الخليج نفسها في حاجة ماسّة إلى ضمانات أمنية بديلة وموثوقة، خاصةً في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية. وقد أسهم هذا الواقع في دفع الرياض وأنقرة وإسلام آباد نحو صياغة إطار أمني مستقل يُعزز قدراتها الذاتية على الردع والحماية.
وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية لا تستهدف أي طرف بعينه، وفق ما أكده المسؤولون الأتراك الذين صرّحوا بأن “أي دولة لا تهاجم الدول الأعضاء لن تكون هدفًا”. غير أن ردود الفعل الإقليمية جاءت متباينة؛ إذ أبدى مسؤولون إيرانيون وجماعة الحوثيين تحفظاتٍ علنية واضحة على الاتفاقية.
فعلى الصعيد الإيراني، علّق نائب وزير الخارجية على الاتفاق بالقول إن بلاده “وثّقت لدى مجلس الأمن الدولي هجمات انطلقت من أراضي دول مجاورة”، مضيفًا أن ثمة إمكانية لعقد اجتماعات أمنية إقليمية إذا عادت ظروف السلام. كما رأى عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي أن الاتفاق “لن يجلب الأمن الكامل للسعودية”، داعيًا الرياض إلى مراجعة سياساتها الإقليمية. أما القيادي الحوثي محمد البخيتي، فقد هدّد بمواصلة الهجمات ووجّه تحذيرات صريحة لتركيا من التدخل في اليمن.
أهمية التحالف لاستقرار المنطقة
وعلى صعيد الموقف الأمريكي، يُرجّح المراقبون أن واشنطن لن تكون بعيدة عن مسار هذا التحالف، لا سيما أنها تجد نفسها في موقف حرج أمام حلفائها الإقليميين الذين باتوا يتساءلون عن جدوى الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية. ويبدو أن التحالف الثلاثي يمثّل استجابةً عملية وواقعية لهذا التساؤل، إذ يُرسي نظامًا أمنيًا تكامليًا قادرًا على الصمود في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة وما تحمله من متغيرات.
وفي المحصلة، يُشكّل هذا التحالف خطوةً استراتيجية مدروسة نحو بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة، تُعزز الاستقرار وتصون السيادة وتحمي مصالح الشعوب، بعيدًا عن التبعية الأحادية وهشاشة الاعتماد على ضمانات خارجية قد لا تصمد في لحظات الاختبار الحقيقي.




