إيران بين الاستعراض والإفلاس الاستراتيجي: هل استنفدت طهران أوراقها؟

تتصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط بوتيرة لافتة، في ظل تحركات إيرانية متزامنة على جبهات متعددة. فعقب لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أطلقت إيران صواريخ باليستية استهدفت مواقع أمريكية وأراضي أردنية، فيما تصاعدت تحركات الوكلاء في العراق واليمن، ورفضت طهران في الوقت ذاته المقترح العماني المتعلق بمضيق هرمز. تطرح هذه التحولات المتسارعة سؤالاً جوهرياً: هل تعكس هذه التحركات قوة استراتيجية حقيقية، أم أنها تكشف عن يأس نظام يتآكل رصيده الإقليمي ويتعجل حرق أوراقه جميعاً في آنٍ واحد؟

الأدلة تميل إلى الاحتمال الثاني. يرى الأكاديمي والباحث السياسي عايد المناع أن إيران تعاني من إرباك داخلي حقيقي وفقدان واضح للبوصلة، وأنها تدرك أن قدراتها العسكرية لا تتيح لها خوض مواجهة مباشرة واسعة النطاق. لذلك تلجأ إلى استخدام أوراق ضغط متعددة في وقت واحد: التلويح بمضيق هرمز، وتحريك الضربات عبر الساحات الإقليمية في العراق واليمن، مع احتمال امتداد هذه الضربات إلى جنوب لبنان. والهدف من كل ذلك، وفق المناع، هو إشغال المجتمع الدولي بمسار تصعيدي يُزعج واشنطن ويدفعها إلى تقديم تنازلات في الملف النووي. غير أن المناع يؤكد أن تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية لن يتحقق حتى لو واصلت إيران تصعيدها إلى أقصى حدوده.

ما يُعمّق هذا التشخيص هو أن التحركات الإيرانية باتت تطال دولاً لم تكن طرفاً في الصراع. فدول الخليج حافظت، رغم العقوبات المفروضة على طهران، على علاقات إنسانية واقتصادية معها، وسعت بجدية إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع. ومع ذلك، يرى المناع أن طهران تراهن على أن استهداف هذه الدول سيدفعها إلى المطالبة بوقف الحرب، مما يمنح الحرس الثوري ذريعةً لتقديم ذلك باعتباره انتصاراً سياسياً. وهو رهان يكشف عن منطق ضعيف يخلط بين الابتزاز والنفوذ.

مضيق هرمز: ورقة تتآكل

يُجسّد ملف مضيق هرمز هذا التناقض بأوضح صوره. يشدد المناع على أن المضيق ممرٌ مائي دولي لا يخضع لسيادة دولة بعينها، ومن ثَمَّ فإن أي محاولة لتعطيل الملاحة فيه ستضع إيران في مواجهة المجتمع الدولي بأسره، لا خصومها المباشرين فحسب. ويرى أن رفض طهران للمبادرة العمانية أضاع عليها فرصة قانونية نادرة للخروج من أزمتها بشروط مقبولة.

يُفصّل بشير عبد الفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، طبيعة هذا المقترح: فهو يقوم على ممرين، أحدهما إيراني يقدم خدمات مقابل رسوم، والآخر عماني مجاني وأوسع وأعمق، ما يجعله أكثر جاذبية للملاحة الدولية. وهنا تكمن المعضلة بالنسبة لطهران؛ إذ تخشى خسارة عائدات تُقدّرها بين عشرين وثلاثين مليار دولار سنوياً، فضلاً عن فقدان المضيق بوصفه رمزاً للنفوذ الإقليمي. ويدعو عبد الفتاح طهران صراحةً إلى الانتقال من “منطق الثورة إلى منطق الدولة”، وهو انتقال يبدو بعيد المنال في ظل الهيمنة المتصاعدة للحرس الثوري على مفاصل القرار.

وهذه النقطة بالذات يُبرزها عمر الرداد، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، حين يُميّز بين الدولة الإيرانية والحرس الثوري الذي اختطف، وفق تقديره، مقاليد القرار السياسي والعسكري. ويرى الرداد أن الهجمات الأخيرة تعكس تحولاً في عقيدة الحرس الثوري من الدفاع إلى الهجوم الاستباقي، مدفوعاً بتقديرات تشير إلى احتمال استهداف العمق الإيراني في أعقاب لقاء ترامب ونتنياهو. كما يعتبر أن استهداف السفن التي تعبر الممر العماني لا يعدو كونه قرصنة بحرية مكشوفة، تُسرّع من عزلة طهران لا تُعزّز نفوذها.

في المحصلة، تبدو إيران اليوم في مأزق استراتيجي حقيقي: فهي تستعرض قوتها بأوراق باتت مكشوفة، وترفض مخارج دبلوماسية تُقدّمها دول الجوار الخليجي بحسن نية، وتُغامر بعزلة دولية متزايدة في مقابل مكاسب آنية هشة. والسرديات التي يروّج لها الحرس الثوري حول دعم فلسطين واستهداف القواعد الأمريكية وشبكة الوكلاء الإقليمية، تواجه تحدياً متصاعداً أمام الرأي العام العربي والدولي. فالأوراق لم تُحرق بعد جميعها، لكن كل ورقة جديدة تُلقى على الطاولة بهذه الطريقة تُضيّق هامش المناورة أكثر مما تُوسّعه.