“أدنوك” تُحكم قبضتها على أسواق النفط الآسيوية وسط اضطرابات مضيق هرمز

في خضم اضطرابات غير مسبوقة تشهدها حركة الملاحة في مضيق هرمز، تواصل شركة أبوظبي الوطنية للنفط “أدنوك” إثبات قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها تجاه عملائها الآسيويين، بل وتعزيز مكانتها التنافسية في الأسواق الدولية. فوفق ما كشفت عنه مصادر تجارية مطلعة، نجحت “أدنوك” في بيع ما لا يقل عن 12 مليون برميل من النفط الخام في السوق الفورية إلى مصافي تكرير وشركات تجارة آسيوية، وذلك بعلاوات فوق أسعار دبي القياسية، في إطار أحدث عطاءاتها التنافسية.

هرمز تحت الضغط.. و”أدنوك” تبتكر المسارات

منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران في وقت سابق من هذا الشهر، شهدت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز تراجعاً حاداً ومقلقاً للأسواق العالمية. غير أن “أدنوك” لم تنتظر تبدّل الأحوال، إذ سارعت إلى توظيف أسطول من الناقلات في عمليات نقل دقيقة ومنظمة، تنقل بموجبها النفط الخام من الخليج إلى ناقلات أخرى راسية في خليج عمان، بعيداً عن نقاط الاحتقان الجيوسياسي. هذا النهج العملي يعكس قدرة إماراتية راسخة على إدارة الأزمات دون الانتظار طويلاً على عتبة الحلول الدبلوماسية.

بيد أن هذه العمليات اللوجستية المعقدة لم تُفضِ إلى استمرارية تامة في الصادرات؛ إذ تباطأت الشحنات بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، مما دفع مصافي التكرير الآسيوية إلى توسيع مشترياتها من أنواع بديلة من النفط، مع الحرص في الوقت ذاته على تأمين شحنات “أدنوك” كلما أتيحت الفرصة. وتكشف هذه الصورة عن مكانة الخام الإماراتي بوصفه مرجعاً لا يُستغنى عنه في سلاسل التوريد الآسيوية.

صفقات كبرى من الهند إلى اليابان

تكشف تفاصيل الصفقات المُبرمة عن عمق الثقة التي تحظى بها “أدنوك” في الأسواق الآسيوية. فقد اشترت مؤسسة النفط الهندية مليوني برميل من خام زاكوم العلوي للتحميل في أواخر أغسطس 2026، بسعر ثابت أو بعلاوة قدرها دولار واحد فوق أسعار دبي لشهر أغسطس على أساس التسليم. وجاءت هذه الصفقة في سياق تنويع الهند لمصادر إمداداتها في ظل ضغوط السوق المتصاعدة، مؤكدةً أن أبوظبي تبقى الوجهة الأولى لتأمين الإمدادات الموثوقة.

أما على الجبهة الصينية، فقد أقدمت ثلاث شركات عملاقة هي “يونيبك” و“بتروتشاينا” و“سينوكيم” على شراء مليوني برميل لكل منها من خام زاكوم العلوي، بعلاوات تتراوح بين ثلاثة وأربعة دولارات للبرميل فوق أسعار دبي لشهر سبتمبر 2026، على أن تُسلَّم الشحنات خلال سبتمبر وأكتوبر المقبلين. ولا تُعبّر هذه الأرقام عن مجرد معاملات تجارية، بل تُترجم الثقل الاستراتيجي للنفط الإماراتي في منظومة الطاقة الآسيوية. وفي المقابل، اشترت شركة التكرير اليابانية “إيديميتسو كوسان” مليوني برميل من خام داس بعلاوة حوالي دولار للبرميل فوق أسعار دبي لشهر سبتمبر، على أساس التسليم على ظهر السفينة، في دليل إضافي على الحضور الإماراتي الراسخ في أسواق شرق آسيا.

السابع في سلسلة متواصلة

ما يستحق التأمل حقاً هو أن هذا العطاء لم يكن استثناءً طارئاً أو استجابةً آنيةً للأزمة، بل جاء السابع في سلسلة متصلة من العطاءات التي أطلقتها “أدنوك” منذ مطلع يونيو 2026. هذا الإيقاع المنتظم يعكس منهجية مؤسسية راسخة، تُفضّل الاستمرارية على التذبذب، والانخراط الفاعل في السوق على الانتظار السلبي. وتبدو “أدنوك” في هذا السياق ليست مجرد مورد نفط، بل شريك استراتيجي يُدير علاقاته مع المصافي الآسيوية بمرونة وبُعد نظر.

وتضع بيانات شركة “كبلر” لتتبع الشحنات هذه المعطيات في إطارها الكامل؛ إذ صدّرت الإمارات قبل اندلاع التوترات الأخيرة 103 ملايين برميل في يناير 2026، و95 مليون برميل في فبراير 2026. وهذه الأرقام تُجسّد حجم الثروة النفطية التي تُديرها أبوظبي بكفاءة عالية، وتُبيّن في الوقت ذاته حجم التحدي اللوجستي الذي تواجهه “أدنوك” في الحفاظ على هذه المستويات وسط اضطرابات المضيق. ومع ذلك، تواصل الشركة تقديم نموذج يُثبت أن الإرادة الاستراتيجية والكفاءة التشغيلية قادرتان على تجاوز أعتى العقبات الجيوسياسية.