أبوظبي تُطلق «تم العالمية»: حين تتحوّل التجربة الحكومية إلى منتج يُصدَّر للعالم

في عام 2005، أطلقت أبوظبي منصة رقمية متواضعة الطموح في بداياتها، تهدف إلى تيسير تعامل المواطنين مع الجهات الحكومية. اليوم، تلك البذرة نمت لتصبح منصة «تم» التي تخدم ملايين المستخدمين يومياً، وتحقق معدل رضا يبلغ 94.5%. والآن، تقرر أبوظبي أن هذا النجاح لم يعد ملكاً للإمارة وحدها.

أعلنت دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي عن تأسيس شركة «أبوظبي للخدمات الرقمية — تم العالمية»، وذلك بتوجيهات من الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي للإمارة. الخطوة ليست مجرد توسع تشغيلي؛ إنها إعلان صريح بأن الابتكار الحكومي الإماراتي بات سلعة قابلة للتصدير.

من بوابة محلية إلى منصة كونية

تجمع منصة «تم» اليوم أكثر من 1,200 خدمة من القطاعين العام والخاص تحت سقف رقمي واحد. المواطن والمقيم والزائر والمستثمر في أبوظبي يُنجزون معاملاتهم دون أن تطأ أقدامهم مكتباً حكومياً واحداً. المنصة توفر على كل مستخدم نحو 9 زيارات سنوياً إلى مراكز الخدمات، ما يعادل قرابة 12 ساعة من الوقت لكل فرد أو شركة.

الأرقام وحدها تحكي القصة. قبل دمج الذكاء الاصطناعي في المنصة عام 2022، كانت نسبة الرضا تقف عند 78%. بعد الدمج، قفزت إلى 94.5%. وفي الوقت ذاته، انخفضت تكلفة تقديم الخدمات بنسبة 30%. هذه ليست إحصاءات تسويقية؛ إنها دليل على أن النموذج يعمل.

شركة مستقلة بصلاحيات عالمية

ما يجعل تأسيس «تم العالمية» مختلفاً هو هيكلها القانوني. الشركة كيان مستقل في القطاع الخاص، وهذا يمنحها مرونة غير مسبوقة لإقامة شراكات مباشرة مع الحكومات والمنظمات والمؤسسات في كل أنحاء العالم، بعيداً عن القيود البيروقراطية التي تُثقل كاهل الكيانات الحكومية التقليدية.

بموجب قانون تأسيسها، تملك الشركة صلاحية تطوير وإدارة وتشغيل منصات الخدمات الرقمية، وامتلاك حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بها، وإجراء الدراسات والبحوث في قطاع الخدمات الرقمية. تستطيع أيضاً تنفيذ برامج تدريب الكفاءات الوطنية، وبناء شراكات استراتيجية، والاستثمار في الفرص المرتبطة بالقطاع داخل الدولة وخارجها.

ترخيص التجربة لا مجرد التقنية

ما تُقدمه «تم العالمية» للحكومات الأخرى يتجاوز مجرد بيع برمجيات. الشركة تُرخّص بنية المنصة الكاملة ومنهجيات التنفيذ والخبرات التشغيلية التي تراكمت عبر ملايين التفاعلات الفعلية مع المستخدمين. حكومة تختار العمل مع «تم العالمية» تستطيع اختصار سنوات من التجريب والخطأ.

التكييف مع السياقات المحلية مضمون. القدرات الرقمية قابلة للتعديل لتتوافق مع القوانين والأطر التنظيمية والمتطلبات التشغيلية لكل دولة. السرعة والكفاءة، لا البداية من الصفر — هذا هو العرض الجوهري.

طموح أبوظبي: أول حكومة تعمل بالذكاء الاصطناعي

يقول أحمد تميم هشام الكتّاب، رئيس دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي، إن المنصة انطلقت أصلاً بهدف تحسين جودة حياة أفراد المجتمع، وقد أثبتت جدارتها. «من خلال الإعلان عن تأسيس شركة تم العالمية، فإننا نبني على هذا النجاح، لنُتيح للحكومات الساعية إلى تحقيق نتائج أفضل لمجتمعاتها قدرات تم تطويرها وإثبات كفاءتها وفاعليتها في أبوظبي».

إطلاق «تم العالمية» يندرج ضمن مسعى أبوظبي الأشمل لتصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم. الطلب الدولي على حلول التحول الرقمي المُثبتة الكفاءة في ارتفاع مستمر، ولا سيما تلك التي تحافظ على السيادة الرقمية وثقة المواطنين وتضمن الامتثال التنظيمي في آنٍ واحد.

اعتراف دولي يسبق التوسع

التوقيت ليس اعتباطياً. منصة «تم» حصدت مؤخراً جائزة أفضل مبادرة حكومة إلكترونية في العالم ضمن جوائز القمة العالمية لمجتمع المعلومات المدعومة من الأمم المتحدة عام 2025. وفي عام 2026، نالت جائزة «عين على الابتكار» من مؤسسة «جارتنر» في فئة الحكومات على مستوى أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

هذان التقديران لا يُزيّنان الجدار فحسب؛ إنهما يمنحان «تم العالمية» شهادة ثقة دولية تسبق أي مفاوضات تجارية مع حكومات أخرى. الجوائز تفتح الأبواب. التجربة المُثبتة تُبقيها مفتوحة.

الملكية الفكرية كأصل استراتيجي

ما تُرسيه هذه الخطوة يتجاوز الخدمات الرقمية. أبوظبي تُثبت أن الملكية الفكرية المطوَّرة محلياً قادرة على فتح آفاق استثمارية عالمية جديدة. الابتكار لم يعد حكراً على وادي السيليكون أو المراكز التقنية الغربية التقليدية.

في نهاية المطاف، تأسيس «تم العالمية» هو رهان أبوظبي على أن أفضل ما بنته لمواطنيها يستحق أن يُبنى لمواطني العالم أجمع. مليون مستخدم راضٍ في الإمارة هو أقوى عرض تقديمي يمكن أن تحمله الشركة إلى أي عاصمة في العالم.