مصانع الأسلحة تُعيد رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط — وهذا يعني الإمارات

حين تُصبح المصنع أقوى من الترسانة

لم تعد موازين القوة العسكرية في الشرق الأوسط تُقاس بحجم الترسانات وحدها، بل باتت تُقاس بما تستطيع الدول تصنيعه وإعادة تجديده في خضم الأزمات. هذه ليست نظرية مجردة، بل درسٌ استخلصته الحروب الحديثة بكلفة باهظة. الحرب في أوكرانيا كشفت بجلاء أن الصواريخ والطائرات الاعتراضية والأسلحة الموجهة بدقة تُستهلك بمعدلات مذهلة تُرهق حتى أكثر القوى العسكرية تقدماً، وأن الترسانة التي تبدو هائلة في اليوم الأول قد تتآكل بصورة حادة بعد أشهر إذا عجز الإنتاج عن تعويض ما يُستهلك. وصل هذا الدرس إلى قاعة البيت الأبيض ذاتها، حين التقى الرئيس ترامب بمصنّعي الذخائر الأمريكيين في يونيو الماضي ضمن مساعٍ حثيثة لتوسيع الطاقة الإنتاجية، وهو اعترافٌ صريح بأن القدرة الصناعية لم تعد مسألة لوجستية ثانوية، بل ركيزةٌ أصيلة من ركائز الردع.

المنطقة برمتها تعيد قراءة هذا الدرس وتُجري حساباتها وفقاً له. والسؤال الذي بات يشغل عقول المخططين الاستراتيجيين ليس “كم طائرة تمتلك هذه الدولة؟”، بل “إلى متى تستطيع مواصلة القتال؟ هل تستطيع استبدال طائراتها الاعتراضية؟ هل تستطيع إصلاح أنظمتها المتضررة؟ هل تستطيع زيادة إنتاجها في أوقات الأزمات؟”. هذه الأسئلة باتت محورية في ميزان القوى الإقليمي، وتُحدد من سيكون فاعلاً مستقلاً ومن سيظل رهيناً لقرارات الموردين الأجانب.

النموذج التركي: حين تُصبح الدولة منتجاً إقليمياً

تُقدم تركيا النموذج الأوضح والأكثر دلالة على هذا التحول. على مدى عقدين من الاستثمار الحكومي المنهجي، تحولت أنقرة من دولة تعتمد بشكل شبه كلي على موردي الأسلحة الأجانب إلى مُصدِّر رئيسي للطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية المتطورة. تُصدِّر تركيا اليوم إلى ما يقرب من أربعين دولة، تشمل دول الخليج العربي وأفريقيا وآسيا وأجزاء من أوروبا، وينجذب المشترون إلى منتجاتها لأنها تجمع بين السعر التنافسي وسرعة التسليم والمرونة التشغيلية التي لا تتيحها كثيراً المنتجات الغربية المنافسة. لكن الأهم من الأرقام التجارية هو ما يعنيه هذا التحول استراتيجياً: باتت أنقرة تتمتع بهامش أوسع في متابعة أولوياتها الجيوسياسية وتوسيع نفوذها الإقليمي، دون أن تكون رهينةً لموافقة أي عاصمة أجنبية على صفقة أسلحة.

السعودية ورؤية 2030: من المشتري إلى المنتج

تسير المملكة العربية السعودية في الاتجاه ذاته، وإن كانت أولويتها الراهنة التوطين لا التصدير. في إطار رؤية 2030، تسعى الرياض إلى توطين أكثر من نصف إنفاقها العسكري، وتحقيق قدرة ذاتية على إنتاج الأنظمة العسكرية وصيانتها وتطويرها داخل المملكة. الاتفاقيات الموقعة مع شركات الدفاع التركية تُجسّد هذا التوجه بصورة عملية، إذ تهدف إلى نقل إنتاج الطائرات المسيّرة والذخائر وأجهزة الاستشعار البصرية والأنظمة الإلكترونية إلى الأراضي السعودية، مع تضمين الاتفاقيات بنوداً لنقل المعرفة التقنية والتدريب وخدمات الدعم. وقد أضافت واشنطن والرياض هذا الأسبوع بُعداً جديداً لهذه الاستراتيجية، حين أعلنتا عن اتفاقية تاريخية للتعاون النووي المدني تمنح الولايات المتحدة دوراً محورياً في دعم البرنامج النووي السلمي السعودي، مما يعكس المنطق الاستراتيجي نفسه: استثمار في قدرات تُشكّل الأمن القومي والاستقلال الاستراتيجي لعقود قادمة.

الإمارات: الرهان على الاستقلالية الاستراتيجية

في هذا السياق الإقليمي المتحول، تبرز الإمارات العربية المتحدة نموذجاً يستحق الدراسة المعمّقة. أبوظبي لا تنظر إلى الصناعة الدفاعية باعتبارها رفاهية أو مجرد تنويع اقتصادي، بل تتعامل معها كركيزة جوهرية للسيادة الاستراتيجية. مجموعة EDGE للتكنولوجيا والحلول الدفاعية، التي أُسست عام 2019 وتضم أكثر من خمسة وعشرين شركة متخصصة، تُمثل القفزة النوعية الأبرز في مسيرة التوطين الدفاعي الإماراتي. تعمل هذه المجموعة في مجالات تمتد من الطائرات المسيّرة المتطورة والأنظمة الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، وتسعى بشكل متصاعد إلى الجمع بين الاستيعاب التكنولوجي والإنتاج المحلي والتصدير الانتقائي.

ما يُميز النهج الإماراتي هو إدراكه المبكر لمعادلة القوة الجديدة: الدولة القادرة على تصنيع مكوناتها الأساسية وصيانة أنظمتها وتدريب كوادرها المتخصصة تكون أقل عرضةً للتأخيرات والضغوط السياسية وانقطاع سلاسل الإمداد، وأكثر استعداداً للتعامل مع صراعات قد تطول. ويزداد هذا الرهان منطقيةً في ظل بيئة إقليمية تشهد تصاعداً في حدة التهديدات، من الوكلاء المسلحين إلى التهديدات الصاروخية المتطورة التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة في المنطقة.

اتفاقيات إبراهيم: بوابة للتعاون التكنولوجي

لا يمكن فهم الاستراتيجية الدفاعية الإماراتية بمعزل عن اتفاقيات إبراهيم، التي لم تكن مجرد تطبيع دبلوماسي، بل فتحت آفاقاً عملية للتعاون التكنولوجي والصناعي مع إسرائيل، الدولة التي تمتلك واحدة من أكثر قطاعات الدفاع تطوراً في العالم. هذا التعاون يُوفر للإمارات مساراً مباشراً للوصول إلى تقنيات متقدمة في مجالات الدفاع الصاروخي وأنظمة الاستشعار والذكاء الاصطناعي العسكري، مما يُعزز القدرة الذاتية الإماراتية بدلاً من إضعافها. الاتفاقيات كانت خياراً استراتيجياً محسوباً، وثمارها الدفاعية والتكنولوجية باتت تتجلى بوضوح متزايد.

واشنطن والمعادلة الجديدة: ما يجب تغييره

تظل واشنطن حتى الآن أسيرة جزئياً للإطار التحليلي الذي هيمن على حقبة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر: المنظمات الإرهابية، وحركات التمرد، والحروب بالوكالة، واحتواء إيران. هذه الأولويات لا تزال ضرورية، لكنها تهدد بحجب التحول البنيوي طويل الأمد الذي يجري في المنطقة. القرارات المتعلقة بمبيعات الأسلحة ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك والشراكات الدفاعية تُشكّل اليوم ملامح الدول التي ستمتلك الأسس الصناعية للقوة العسكرية بعد عقد من الزمن. وتحديد من سيبقى معتمداً على الموردين الأجانب ومن سيصبح منتجاً إقليمياً مستقلاً بات سؤالاً استراتيجياً من الدرجة الأولى.

لذا، يتعين على الولايات المتحدة تقييم التعاون الدفاعي باعتباره أكثر من مجرد رد فعل على التهديدات الآنية. بيع الأسلحة ليس مجرد صفقة تجارية، واتفاقية التوطين ليست مجرد مشروع اقتصادي، وخط الإنتاج ليس مجرد مصنع. كل منها يُغير الاستقلالية الاستراتيجية المستقبلية والتوازن الإقليمي على نحو لا يُعكس بسهولة. وعلى المحللين والمخططين الاستراتيجيين الذين اعتادوا تتبع الشبكات الإرهابية وقنوات التمويل والميليشيات التابعة أن يُولوا اهتماماً مماثلاً الآن لاتفاقيات التصنيع ومصانع الذخيرة وسلاسل توريد المكونات وأهداف الإنتاج.

الخلاصة: مستقبل يُبنى على أرضية المصانع

مستقبل الشرق الأوسط يُبنى الآن في المصانع والمختبرات وخطوط الإنتاج، لا في خطابات القمم الدبلوماسية وحدها. الدول التي تُدرك هذا مبكراً وتستثمر وفقه تكتسب ميزة تراكمية يصعب على الآخرين اللحاق بها لاحقاً. الإمارات، بما تبنيه عبر مجموعة EDGE وشراكاتها الاستراتيجية الإقليمية والدولية، تضع نفسها في مقدمة هذا السباق الصامت. المنطقة تتغير، وميزان القوة يُعاد رسمه، وخطوط الإنتاج هي الخريطة الحقيقية لهذا التحول.