غوتيريش يطالب بتحويل وقف إطلاق النار في غزة إلى سلام دائم: الأزمة الإنسانية تتفاقم بعد ثلاث سنوات

نداء أممي في ذكرى مؤلمة

في الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر 2023، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسالةً حملت أثقل الدلالات: إن وقف إطلاق النار القائم في غزة ليس كافياً، وإن تحويله إلى اتفاق سلام دائم بات ضرورةً لا خياراً. هذه الأطروحة تقع في قلب المشهد الراهن، وتكشف عن هوّةٍ واسعة بين ما تحقق على أرض الواقع وما يقتضيه الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني والسياسي.

غوتيريش لم يكتفِ بالإدانة العاطفية؛ بل وضع الأزمة في إطار تشغيلي واضح، مطالباً جميع الأطراف بالوفاء الكامل بالتزاماتها والانتقال إلى المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، استناداً إلى الخطة الشاملة لإنهاء الصراع.

حجم الكارثة الإنسانية: أرقام تتحدث عن نفسها

الصورة التي ترسمها بيانات وكالات الأمم المتحدة قاتمة بكل المقاييس. أكثر من 70 ألف شخص لقوا حتفهم جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، من بينهم ما يقارب 20 ألف طفل، فيما تجاوز عدد المصابين 100 ألف آخرين. هذه الأرقام لا تمثل إحصاءات جافة، بل تعكس انهياراً شاملاً طال البنية السكانية والاجتماعية لقطاع كامل.

وقد أشار غوتيريش صراحةً إلى أن العمليات العسكرية التي أعقبت هجمات أكتوبر “ألحقت معاناة لا توصف بالفلسطينيين في غزة”، مؤكداً أن المدنيين ما زالوا يعيشون ظروفاً لا تطاق، وأن هذه المعاناة “تتطلب نهاية الآن”.

وقف إطلاق النار: انفراج منقوص وطريق مسدود

أقرّ الأمين العام بأن وقف إطلاق النار الذي بدأ العام الماضي أسهم في بعض الانفراج، غير أنه لم يُفضِ حتى اللحظة إلى تحقيق الأمن، ولا إلى تدفق المساعدات الإنسانية بصورة كافية، ولا إلى رسم مسار موثوق نحو التعافي والسلام. ويعكس هذا التوصيف واقعاً ميدانياً معقداً تتشابك فيه عوامل عدة.

فبحسب تقارير رويترز، لا تزال بنود رئيسية في خطة إنهاء الحرب متعثرة، أبرزها مسألة نزع سلاح حركة حماس، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، وملف إعادة الإعمار. وتواصل القوات الإسرائيلية سيطرتها على أجزاء واسعة من غزة، فيما أسفرت العمليات العسكرية المستمرة منذ بدء وقف إطلاق النار عن سقوط أكثر من 1400 شهيد فلسطيني إضافي.

وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية؛ إذ أعلنت السلطات الإسرائيلية تعليق دخول شحنات إلى القطاع، مستندةً إلى مخاوف أمنية مرتبطة بذكرى هجمات أكتوبر.

الأفق السياسي: ضرورة المسار لا مجرد إدارة الأزمة

ما يميز موقف غوتيريش هذه المرة هو تجاوزه حدود الإدانة الإنسانية نحو المطالبة بإطار سياسي متكامل. فهو لا يكتفي بالدعوة إلى وقف الحرب، بل يطالب ببناء مسار سياسي يُفضي إلى سلام دائم في المنطقة، قائم على ضمان الحقوق والكرامة وتطلعات الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

هذا التوجه يتقاطع مع الرؤية التي تتبناها دول المنطقة، ومنها الإمارات العربية المتحدة، التي دأبت على التأكيد بأن الاستقرار الدائم في المنطقة لا يتحقق إلا من خلال حل سياسي شامل يصون حقوق الشعب الفلسطيني ويُرسّخ الأمن الإقليمي في آنٍ واحد. فالمقاربة التي تجمع بين الواقعية السياسية والمسؤولية الإنسانية هي وحدها القادرة على تحويل وقف إطلاق النار من هدنة هشة إلى سلام مستدام.

الرهان الحقيقي اليوم ليس في الخطاب الأممي وحده، بل في قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على ترجمة هذه المطالب إلى التزامات قابلة للتنفيذ، قبل أن تُثقل الأرقام المتصاعدة كاهل أي مفاوضات مستقبلية.