الصومال على مفترق طرق: دعوة الرئيس للحوار وتحديات الأزمة الانتخابية

في مقديشو، حيث تتشابك خيوط السياسة مع ذاكرة عقود من الصراع، وجّه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود دعوةً للمعارضة للجلوس إلى طاولة الحوار، في محاولة لاحتواء أزمة تتصاعد تعقيداتها يوماً بعد يوم.

دعوة في زمن الاحتقان

جاءت الدعوة عبر خطاب رئاسي نقلته وكالة الأنباء الصومالية، تناول فيه حسن شيخ محمود ما وصفه بـ”تطوير المسار الديمقراطي وتنفيذ الانتخابات المباشرة القائمة على مبدأ صوت واحد لكل مواطن”، مؤكداً أن “باب الحوار يظل مفتوحاً في جميع الأوقات للتوصل إلى حلول توافقية للقضايا الوطنية”. جاء ذلك بعد أيام قليلة من تصعيد المعارضة لهجتها، في مشهد يكشف عن هشاشة التوازن السياسي في البلاد.

فقد أصدر مجلس مستقبل الصومال المعارض بياناً حاداً حذّر فيه من إجراء انتخابات “أحادية الجانب”، معرباً عن “معارضته الشديدة” لجدول انتخابات مجلسَي البرلمان الفيدرالي ورئاسة الجمهورية، الذي اعتبره صادراً “بأمر من الرئيس دون التوصل إلى اتفاق سياسي شامل”. والمجلس ذاته طالب باستئناف المحادثات والسعي إلى “اتفاق سياسي مقبول لدى جميع الأحزاب ويحظى بدعم الشركاء الدوليين”، مع تحذير صريح بأنه سيتخذ “تدابير دستورية وسياسية” إن أصرّ الرئيس على مساره.

وفي منتصف أكتوبر الجاري، أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات في الصومال إجراء الاقتراع البرلماني والرئاسي في أبريل ومايو المقبلين بنظام الانتخابات المباشرة، وهو النظام الذي تعتزم الحكومة تطبيقه للمرة الأولى منذ عقود، في عام 2027.

جوهر الخلاف

لفهم عمق الأزمة، لا بد من استيعاب طبيعة النظام الذي تتمسك به المعارضة، وهو نظام المحاصصة القبلية في توزيع المناصب السيادية، الذي يقوم على تقسيم المقاعد بين القبائل الأربع الرئيسية، فيما تُمنح “نصف حصة” للمجموعات العرقية الأصغر. هذا النظام الموروث يمثل في نظر المعارضة ضمانةً لتوازن القوى، في حين يرى فيه الرئيس عائقاً أمام بناء ديمقراطية حديثة قائمة على المواطنة لا على الانتماء القبلي.

وهنا تكمن الهوّة الحقيقية، ليست مجرد خلاف على موعد الانتخابات أو آليتها، بل هي جدل أعمق حول هوية الدولة الصومالية وطريقة تنظيم السلطة فيها. وقد سبق للرئاسة والحكومة في مقديشو أن عقدتا جولات حوار عديدة مع المعارضة، بدعم تركي وغربي، دون أن تُفضي إلى نتائج حاسمة.

تحذيرات الخبراء

يرى علي محمود كلني، الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، أن الدعوة إلى الحوار وحدها لا تكفي ما لم تقترن بخطوات عملية ملموسة. وفي حديثه، أكد أن المطلوب هو “بناء الثقة والتوصل إلى اتفاق واضح بشأن الإطار الانتخابي وضمانات مشاركة الأطراف السياسية والإدارات الإقليمية”، مشدداً على أن “التسوية المبكرة تظل الخيار الأقل تكلفة للحفاظ على استقرار المؤسسات وتجنب انزلاق الخلافات إلى مواجهة مفتوحة”.

ويذهب كلني إلى أن الأزمة السياسية الصومالية تسير نحو مزيد من التعقيد إن لم تُقدّم الأطراف تنازلات متبادلة، محذراً من اتساع فجوة الثقة وتراجع فرص التوصل إلى تسوية سياسية قبل استحقاقات عام 2027. ويرى أن “استمرار النهج القائم على فرض الخيارات السياسية دون توافق واسع قد يدفع مزيداً من الأطراف إلى الابتعاد عن الحكومة، ويعمّق الانقسام داخل النظام الفيدرالي”.

أما على صعيد قدرة الحكومة على احتواء الخلافات، فيربطها الخبير ذاته بمدى استعدادها لـ”إبداء مرونة سياسية وإدارية، وفتح المجال أمام تفاهمات تتجاوز الحسابات الضيقة للصراع على السلطة”، في تشخيص يضع الكرة في ملعب مقديشو أولاً.

مفترق الطرق

الصومال اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، وفق ما يراه المحللون: إما إطلاق مسار تفاوضي حقيقي يُفضي إلى توافق حول الانتخابات وانتقال السلطة، وإما الاستمرار في الاستقطاب الذي قد يوسّع دائرة الخلاف ويضعف تماسك النظام الفيدرالي برمّته. وقد ذكّرت الحكومة بأنها “عملت خلال الأشهر الثماني عشر الماضية على تهيئة أجواء التشاور والحوار”، مؤكدةً أن “المشاورات والمفاوضات ستتواصل”، غير أن الوقائع على الأرض تكشف أن الكلام وحده لم يعد كافياً.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري معلقاً في فضاء مقديشو الملبّد: هل تملك الأطراف الصومالية جميعها الإرادة الكافية لتقديم تنازلات تُنقذ مسار الديمقراطية قبل أن تتحول الخلافات إلى شرخ لا يُرأب؟ الإجابة ستحدد وجه الصومال لسنوات قادمة.