خيارات الضربة على إيران: البنتاغون يُعدّ المشاهد والمنطقة تحبس أنفاسها

في بحر العرب، وعلى متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن»، لا يتوقف الإيقاع. طائرات تُقلع وتهبط، صواريخ بعيدة المدى تُشحن، وقنابل خارقة للتحصينات تنتقل من عنابر التخزين إلى أجنحة المقاتلات. ما رصدته صحيفة «وول ستريت جورنال» خلال زيارة نادرة إلى هذه الحاملة ومدمرة مزودة بصواريخ موجهة تعمل بجانبها، ليس مجرد تدريبات روتينية، بل هو صورة لمنطقة تقف على حافة قرار.

كشفت تقارير أمريكية أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أعدّت خططًا مفصّلة لشن ضربات على إيران، وعرضتها على وزير الدفاع بيت هيغسيث، في انتظار الضوء الأخضر من البيت الأبيض. وقال مصدر مطلع على هذه الخطط، تحدث إلى موقع «ذا هيل» شريطة عدم الكشف عن هويته، إن الرئيس دونالد ترامب سيُبقي جميع خياراته مفتوحة حتى يحين موعد القرار النهائي. التوقيت المرجّح، وفق مراقبين، هو ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل.

يرى غريغوري برو، الخبير في الشأن الإيراني لدى مجموعة «أوراسيا»، أن العودة إلى الضربات العسكرية «مرجحة إلى حد كبير»، وأن الفكرة الجوهرية تقوم على استخدام القوة لتعزيز الضغوط المفروضة أصلًا على طهران، وإجبارها على القبول بشروط اتفاق يُتيح للولايات المتحدة الخروج من المستنقع الإقليمي. العقوبات والحصار البحري الأمريكي أنهكا الاقتصاد الإيراني وأشعلا معدلات التضخم، والإحباط من تعثر المسار الدبلوماسي يدفع واشنطن نحو خيار القوة.

أما طبيعة هذه الضربات المحتملة، فيرسمها هاريسون مان، المسؤول التنفيذي السابق في المركز الإقليمي للشرق الأوسط وأفريقيا التابع لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، بوضوح: الخيار الأول يتمثل في استئناف استهداف المواقع العسكرية والسياسية الإيرانية في عمق البلاد، وهو مسار توقف منذ أبريل الماضي حين اقتصرت الضربات على مواقع ساحلية دون أن تخترق الطائرات الأمريكية عمق الأراضي الإيرانية إلا في حالات نادرة. والخيار الثاني، الذي يغدو أكثر احتمالًا في حال انخرطت إسرائيل في العمليات، يستهدف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة والجامعات ومراكز الشرطة، على غرار ما فعله الإسرائيليون في مراحل سابقة من الصراع. لكن مان يُحذّر في الوقت ذاته: لا يوجد مستوى من الضربات يمكنه إجبار القادة الإيرانيين على تغيير مسارهم، فهم يرون في هذه الحرب تهديدًا لبقائهم الشخصي قبل بقاء النظام.

حشد عسكري غير مسبوق في المنطقة

المشهد الميداني يعكس جدية الخيار العسكري. ينتشر حاليًا أكثر من 50 ألف عسكري أمريكي في الشرق الأوسط، إلى جانب نحو 20 سفينة حربية تُسهم بعضها في فرض الحصار البحري في بحر العرب. مجموعتا ضاربة لحاملات طائرات تعملان في المنطقة، فيما تتجه حاملة الطائرات الثالثة «يو إس إس ثيودور روزفلت» من فئة «نيميتز» نحو منطقة مسؤولية القيادة المركزية. وأرسل البنتاغون أربعة آلاف من مشاة البحرية والبحارة على متن ثلاث سفن تقودها «يو إس إس ماكين آيلاند»، وهي سفينة هجومية برمائية تمنح الرئيس خيارات أوسع لتنفيذ عمليات إنزال وعمليات خاصة.

وعلى الجانب الاستخباراتي، خلص مدير الاستخبارات الوطنية جاي كلايتون إلى أن المخططات الإيرانية لاستهداف مسؤولين أمريكيين في الشرق الأوسط وقتلهم شهدت «زيادة كبيرة»، وأن هذه الجهود وصلت إلى «مراحل متقدمة»، وهو ما أبلغ به وزير الخارجية ماركو روبيو في مذكرة رسمية. في المقابل، أكد برو أن القادة الإيرانيين أشاروا علنًا وفي اتصالات خاصة إلى أن أي رد مقبل سيكون «أكبر» و«أكثر عدوانية» مما شهدته المنطقة في وقت سابق من هذا العام.

ولوّح ترامب بإمكانية استهداف جبل بيكاكس القريب من منشأة نطنز المتضررة لتخصيب اليورانيوم في جبال زاغروس، غير أن خبراء حذّروا من أن عمق المنشأة، التي تقع تحت ألفي قدم من الغرانيت، قد يحول دون وصول أقوى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات إليها. وقال ترامب في تجمع انتخابي بفورت مايرز: «قد ننفذ عملية أخرى صغيرة باسم الغضب الملحمي، أو قد يوافقون على الاتفاق. إذا كانوا أذكياء، فسيقولون: لنبدأ العمل».

في نهاية المطاف، يبقى المشهد معلقًا بين دبلوماسية متعثرة وقوة عسكرية متأهبة. منطقة الشرق الأوسط، التي تراقب بقلق بالغ تحركات الأساطيل وتصريحات الرئيس، تعرف أن القرار الفاصل قد لا يكون بعيدًا.