صندوق النقد الدولي يحذر من صدمة طاقة مزدوجة وفقاعات الذكاء الاصطناعي تهدد الاقتصاد العالمي

في قاعة مؤتمرات بانكوك، حيث يستعد قادة الاقتصاد العالمي للاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تتصاعد وتيرة القلق من مزيج متفجر لم يشهده العالم منذ عقود: طاقة باهظة الثمن، وديون حكومية تتراكم إلى مستويات غير مسبوقة، وطفرة استثمارية في الذكاء الاصطناعي قد تخفي في طياتها فقاعة على وشك الانفجار.

المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا لم تُبقِ شيئاً في الظل حين أطلقت تحذيرها الصريح الأربعاء الماضي، قبيل انطلاق الاجتماعات. قالت إن الاقتصاد العالمي ينجذب في آنٍ واحد نحو اتجاهين متعاكسين: صدمة سلبية تتمثل في اضطراب إمدادات الطاقة جراء الصراعات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، وصدمة إيجابية ظاهرياً تتجلى في الطلب المتسارع على تقنيات الذكاء الاصطناعي — غير أن هذه الأخيرة تُغذي التضخم هي الأخرى، وتعيد رسم خريطة الفائزين والخاسرين على الصعيد الدولي.

عالم منقسم أمام صدمتين

أكدت غورغييفا أن “التأثير المشترك لهاتين القوتين متفاوت جداً في أنحاء العالم”، وأن طفرة الذكاء الاصطناعي تتجاوز في نفعها وفرصها عدداً كبيراً من الدول النامية التي تفتقر إلى البنية التحتية الرقمية اللازمة. هذا التفاوت ليس مجرد إحصاء بارد؛ إنه يعني أن الدول الأكثر هشاشة ستتحمل عبء ارتفاع الأسعار دون أن تحصد عائدات التحول التكنولوجي.

وكشفت المديرة العامة أن توقعات النمو الجديدة للصندوق، التي ستُعلَن خلال اجتماعات بانكوك، ستُظهر أن أكبر تراجعات في النمو ستطال الاقتصادات التي مزقتها الحرب. وتتصدر هذه القائمة أوكرانيا التي تئن تحت وطأة الدمار في بنيتها التحتية المدنية والاقتصادية، إلى جانب دول الخليج التي تضررت من الضربات الإيرانية وشهدت انخفاضاً حاداً في صادراتها من الطاقة.

وفي السياق ذاته، لم تُوضح غورغييفا ما إذا كان تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” سيُعدّل توقعات النمو الإجمالية لعام 2026 عن معدل 3% الذي جرى رصده في يوليو الماضي — وهو معدل يعكس تباطؤاً واضحاً مقارنة بالطموحات السابقة.

مضيق هرمز في قلب المعادلة

التوقع السابق كان يستند إلى افتراض جريء: أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه في منتصف يوليو وسيعود إلى أوضاعه الطبيعية بحلول مارس 2027، مع متوسط أسعار نفط يبلغ 89 دولاراً للبرميل عام 2026 و78 دولاراً عام 2027. لكن الواقع يسير في اتجاه مغاير تماماً.

غورغييفا أوضحت أن أسعار النفط تتمسك بمستوى 100 دولار للبرميل، فيما يُضيف ضعف طاقة التكرير 100 دولار إضافية على هوامش “فارق التكرير” لكل برميل من المنتجات الرئيسية كالديزل. وبمجرد أن يدخل فصل الشتاء ويرتفع الطلب على التدفئة، سيتفاقم الضغط على إمدادات الغاز الطبيعي المسال الذي يمر عبر هذا المضيق الحيوي.

“حتى لو انتهت الحرب في الخليج قريباً، ستستمر مشكلة ارتفاع أسعار الطاقة لبعض الوقت على الأرجح” — هذه الجملة وحدها تحمل ثقلاً استراتيجياً هائلاً لدولة الإمارات وسائر اقتصادات المنطقة. والعقود الآجلة لخام برنت تُؤكد هذا المسار، إذ تشير إلى استمرار ارتفاع الأسعار حتى عام 2027.

التضخم يعود من نافذة الطاقة

المسار واضح في منطقه الاقتصادي: ارتفاع أسعار الطاقة يُذكي التضخم، والتضخم يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، وهذا بدوره يرفع عوائد السندات إلى مستويات لم تُشهد منذ سنوات. وقد وصلت عوائد السندات السيادية لأجل عشر سنوات في الولايات المتحدة وألمانيا واليابان إلى أعلى مستوياتها منذ عامَي 2007 و2009 و1996 على التوالي — ولا تزال في صعود.

بالنسبة لدولة الإمارات، هذه المعطيات تحمل وجهين: فمن جهة، ترتفع عائدات النفط مع ارتفاع الأسعار، مما يُعزز الموارد السيادية ويدعم مسيرة التنويع الاقتصادي. ومن جهة أخرى، يُمثل اضطراب المضيق تهديداً مباشراً لحركة التجارة والشحن التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الإماراتي.

في نهاية المطاف، تبقى الرهانات كبيرة والمشهد سائلاً. ما يقوله صندوق النقد الدولي بوضوح هو أن العالم يقف عند مفترق طرق حقيقي، حيث لا مجال للتهاون في السياسات المالية ولا لتجاهل مخاطر الفقاعات التكنولوجية. وفي بانكوك الأسبوع المقبل، ستتشكل ملامح الإجابات — أو على الأقل، ستتضح حدة الأسئلة.