
سوق أبوظبي للأوراق المالية يُطلق دليلاً محدَّثاً لعلاقات المستثمرين في خطوة نحو أسواق رأسمال أكثر نضجاً
في مشهد يعكس طموح أبوظبي المتصاعد نحو بناء منظومة مالية عالمية المستوى، أطلقت مجموعة سوق أبوظبي للأوراق المالية نسخةً محدَّثة وموسَّعة من دليل علاقات المستثمرين، وذلك في الثامن والعشرين من سبتمبر الجاري، بحضور رئيس مجلس الإدارة سعادة غنام بطي المزروعي، والرئيس التنفيذي للمجموعة عبدالله سالم النعيمي، إلى جانب كبار المسؤولين في الشركات المدرجة ورؤساء تنفيذيين لأسواق مالية إقليمية بارزة.
لا يُمثّل هذا الدليل مجرد وثيقة إجرائية، بل يُجسّد رؤيةً استراتيجية واضحة: الانتقال بالجهات المصدرة من مجرد استيفاء الحد الأدنى من متطلبات الامتثال، إلى تبنّي نهج استراتيجي متكامل في التواصل مع المستثمرين، يُفضي إلى خلق قيمة حقيقية وطويلة الأمد. وهو توجّه يتسق تماماً مع مسار أبوظبي في استقطاب رؤوس الأموال الدولية وتعميق حضورها على خريطة الأسواق المالية العالمية.
يتضمّن الدليل أطر عمل تطبيقية وقوائم تحقق إجرائية ونماذج قابلة للتكيّف، تُتيح للشركات المدرجة تطوير آليات تواصلها بما يتناسب مع طبيعة أعمالها. وقد جرى توسيع الإرشادات التي أصدرها السوق عام 2022، لتشمل اليوم ستة متطلبات تشغيلية أساسية يتعين على جميع الشركات المدرجة الالتزام بها، من بينها تعيين مسؤول مختص بعلاقات المستثمرين، وإدارة صفحة إلكترونية مخصصة، ونشر العروض التقديمية، والإفصاح في المواعيد المحددة، وتقديم التقارير الدورية والسنوية. ويتجاوز الدليل هذه المتطلبات الأساسية ليُعالج اثني عشر مجالاً عملياً متخصصاً، تشمل إدارة مكالمات النتائج المالية، والتعامل مع الأزمات، والإفصاح عن بيانات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، فضلاً عن إرشاد الشركات في مراحل الطرح العام الأولي.
وأوضح النعيمي أن أسواق رأس المال في أبوظبي باتت تستقطب تدفقات دولية متنامية، مما يرفع سقف التوقعات بشأن جودة التواصل مع المستثمرين، مؤكداً أن الدليل يُزوّد الجهات المصدرة بإطار عملي واضح يُمكّنها من تطوير علاقاتها مع المستثمرين إلى أداة استراتيجية فاعلة، بما يُسهم في تحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي المنسجمة مع رؤية أبوظبي الاقتصادية 2030.
والجدير بالذكر أن التواصل الواضح والمتسق والمصداقي من قِبَل الجهات المصدرة لا يُعدّ ترفاً تنظيمياً، بل يُؤثّر مباشرةً في تعزيز السيولة، ودعم التقييم العادل للأسهم، واستقطاب رؤوس الأموال المؤسسية طويلة الأجل. وهو ما يجعل هذا الدليل أداةً ذات قيمة اقتصادية ملموسة، لا مجرد وثيقة امتثال.
أما على صعيد الحوافز والضوابط، فقد أرسى السوق منظومةً متوازنة تجمع بين التشجيع والمساءلة؛ إذ ستُكرَّم الجهات المصدرة الأكثر تميزاً في تطبيق معايير الدليل سنوياً، في حين ستواجه الشركات غير الملتزمة بالمتطلبات الأساسية إنذاراتٍ رسمية أو غراماتٍ مالية تُضاف إلى رسوم تجديد الإدراج السنوية، وتُحدَّد قيمتها بحسب طبيعة المخالفة.
ولا تقف طموحات السوق عند هذا الحد، إذ يُجري سوق أبوظبي للأوراق المالية مناقشات موسَّعة مع شركاء رئيسيين لإطلاق برنامج وطني متخصص في علاقات المستثمرين، يهدف إلى إعداد جيل جديد من الكفاءات الإماراتية المتخصصة في هذا المجال، مزوَّداً بأفضل الممارسات العالمية، قادراً على تعزيز الحوار بين الجهات المصدرة والمستثمرين، ودعم شفافية وتنافسية أسواق المال في الدولة على المدى البعيد.
في نهاية المطاف، يُجسّد هذا الدليل قناعةً راسخة لدى أبوظبي: أن بناء سوق مالي جاذب ومستدام لا يقوم على الفرص وحدها، بل يقوم في المقام الأول على الثقة — وهي ثقة تُبنى بالشفافية، وتُصان بالاتساق، وتُعمَّق بالكفاءة.




