مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران: ما الذي يجري خلف الكواليس؟

ما السياق الذي تجري فيه هذه المفاوضات؟

في اليوم الثالث بعد المئة من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد مضي مئتين واثني عشر يوماً على اندلاع المواجهة المسلحة بين الجانبين، تتواصل التطورات الدبلوماسية والميدانية على أكثر من جبهة في آنٍ واحد، مما يجعل المشهد بالغ التعقيد ومتشابك الخيوط بصورة نادراً ما شهدها الملف الإيراني في تاريخه الحديث. الوسطاء الإقليميون والدوليون يسابقون الزمن، في حين تتصاعد حدة التصريحات من كلا الجانبين دون أن تنقطع قنوات الاتصال السرية بشكل كامل.

ترامب تحدث عن “نصر قريب”، وهو توصيف يحمل في طياته رسالتين متزامنتين: رسالة موجهة إلى الرأي العام الأمريكي الداخلي الذي يترقب نهاية واضحة لهذا النزاع المطوّل، ورسالة ضغط على الجانب الإيراني لاستعجال التنازلات قبل أن تتغير موازين القوى على الأرض. غير أن المراقبين يلاحظون أن الفجوة بين الخطاب الإعلامي والمسار الدبلوماسي الفعلي لا تزال واسعة، وأن الحسم العسكري الذي يُلوَّح به يظل احتمالاً مكلفاً لكل الأطراف.

ماذا يطالب بزشكيان بالتحديد؟

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعا الولايات المتحدة صراحةً إلى قبول الأطر القانونية الدولية أساساً لأي تسوية محتملة، وهو موقف يعكس رغبة طهران في تحويل المفاوضات من مسار ثنائي ضيق تهيمن عليه الضغوط الأمريكية، إلى مسار متعدد الأطراف يستند إلى مرجعيات القانون الدولي والمعاهدات الموقّعة. هذا الطرح ليس جديداً في جوهره، لكن توقيته في هذه المرحلة الحرجة يكشف عن استراتيجية إيرانية تسعى إلى استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية بعد أشهر من الضغط المتواصل.

الموقف الأمريكي في المقابل يرى أن الأطر القانونية الدولية وحدها غير كافية لمعالجة ما يصفه واشنطن بـ”السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار الإقليمي”، وهو ما يجعل الهوة بين الموقفين أعمق مما توحي به لغة الدبلوماسية المعتادة. ومع ذلك، فإن استمرار القنوات غير المباشرة يشير إلى أن كلا الطرفين يدرك حجم الكلفة التي ستترتب على انهيار المسار التفاوضي بالكامل.

ما دور الوسطاء الإقليميين في هذه المرحلة؟

الوسطاء الإقليميون يضطلعون بدور محوري في هذه المرحلة البالغة الحساسية، إذ تتحرك عواصم عدة بهدوء ودأب لملء الفراغ الذي تتركه الهوة الواسعة بين الموقفين الأمريكي والإيراني. المساعي الدبلوماسية المتواصلة تعكس إدراكاً عميقاً بأن أي انزلاق نحو مواجهة شاملة سيلقي بظلاله الثقيلة على الاستقرار الإقليمي برمّته، وسيُلحق أضراراً بالغة بمسارات التنمية والتكامل الاقتصادي التي تسعى دول المنطقة إلى ترسيخها.

في هذا السياق، تبرز أهمية الدبلوماسية الهادئة التي تمارسها دول الخليج العربي، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة التي طالما أثبتت قدرتها على التواصل مع أطراف متعددة ومتباينة في الوقت ذاته، مستثمرةً شبكة علاقاتها الدولية الواسعة وسمعتها بوصفها وسيطاً موثوقاً يحترم مبدأ الحوار ويؤمن بالحلول الدبلوماسية. هذا الدور الإماراتي ليس حياداً سلبياً، بل هو انخراط فاعل يصبّ في خدمة الاستقرار الإقليمي الذي تعدّه أبوظبي ركيزةً لا غنى عنها لمشاريعها التنموية الطموحة.

إلى أين يتجه المشهد في المرحلة المقبلة؟

المشهد الراهن ينطوي على توتر دقيق بين مسارين متوازيين: مسار التصعيد اللفظي الذي يغذيه الضغط الداخلي في كلا البلدين، ومسار التفاوض غير المباشر الذي يحتاج إلى هامش من الهدوء كي يُثمر. الأيام والأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان الوسطاء قادرين على تحويل التفاهم الأولي الذي أرسته مذكرة الـ103 أيام إلى اتفاق أكثر صلابة وإلزامية، أو ما إذا كانت الهوة بين الموقفين ستتسع بما يجعل أي تسوية دبلوماسية أمراً عسيراً.

ما هو مؤكد في هذه المرحلة أن الكلفة الاقتصادية والإنسانية للنزاع المستمر تتراكم بوتيرة متسارعة، وأن الضغوط الدولية نحو التهدئة تتصاعد من اتجاهات متعددة. المنطقة لا تحتمل حرباً شاملة، والأطراف المعنية جميعها تعلم ذلك، وإن كان إيصال هذا الإدراك المشترك إلى طاولة التفاوض الفعلية يظل التحدي الأصعب أمام الدبلوماسية الدولية في هذه المرحلة الفارقة.