مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة تُطلق مبادرة تدريب 15 ألف معلم لغة عربية من إسطنبول

تُثبت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، من خلال مشاركتها في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي 2026، أن الإمارات العربية المتحدة لا تكتفي بالاحتفاء باللغة العربية داخل حدودها، بل تضطلع بدور محوري في تعزيز حضورها على الصعيد الدولي. فبدلاً من الاقتصار على المشاركة الرمزية في المعارض الثقافية، تُحوّل المؤسسة حضورها الدولي إلى منصة لإطلاق شراكات استراتيجية حقيقية، تمتد أثرها عبر الفصول الدراسية وليس فقط عبر أروقة المعارض.

الدليل الأبرز على ذلك هو الإعلان الرسمي عن انطلاق تنفيذ مبادرة تدريب 15 ألف مدرس للغة العربية والتربية الإسلامية في تركيا، وذلك بالتعاون مع وزارة التعليم الوطني التركية وبالشراكة مع أكاديمية إسطنبول لتعليم اللغات. تنطلق المرحلة الأولى من المبادرة بتدريب ألف مدرس، وهو رقم يعكس جدية التنفيذ ووضوح الرؤية، إذ تتولى أكاديمية إسطنبول دور الشريك المحلي المسؤول عن التنسيق والمتابعة الميدانية وضمان استدامة البرنامج على أرض الواقع التركي. هذا النوع من الشراكات المؤسسية المُهيكلة يمثل نموذجاً ناضجاً للدبلوماسية الناعمة الإماراتية، التي تُقدّم الكفاءة والأثر الملموس على الخطاب الإعلاني الفضفاض.

وقد عبّر جمال بن حويرب، المدير التنفيذي للمؤسسة، عن الأبعاد الاستراتيجية لهذا التوجه بوضوح، حين أكد أن المبادرة تهدف إلى «تمكين المعلمين وتزويدهم بالمهارات والأدوات التي تدعم تطوير العملية التعليمية وتعزز حضور اللغة العربية باعتبارها جسراً للتواصل المعرفي والفكري بين الحضارات والشعوب». هذه الصياغة ليست مجرد بلاغة، بل هي تعبير دقيق عن فلسفة الإمارات في التعامل مع اللغة العربية كأداة للتواصل الحضاري لا كموروث جامد يُحفظ في الأدراج.

شراكات نشر وترجمة تُعمّق الحضور الإماراتي

لا تتوقف مشاركة المؤسسة عند حدود التدريب التربوي، بل تمتد لتشمل برنامجاً معرفياً متكاملاً يُعيد تشكيل خريطة التعاون بين المؤسسات العربية والتركية والدولية. يتضمن البرنامج لقاءً في ركن الناشرين يجمع ناشرين عرباً وأتراكاً ومن دول غير ناطقة بالعربية، لمناقشة واقع صناعة النشر وفرص التوسع في الترجمة وتبادل المحتوى، وهو ما يُجسّد رؤية إماراتية تُؤمن بأن الاقتصاد المعرفي لا يزدهر إلا في بيئة منفتحة تتدفق فيها الأفكار عبر الحدود اللغوية والجغرافية. كذلك يتضمن البرنامج حواراً مع بن حويرب حول كتاب «الحضارة الإسلامية في صقلية»، يُتوّج بتوقيع عقد لترجمة الكتاب إلى التركية ونشره، وهو خطوة ترسّخ الحضور الثقافي العربي في الوجدان التركي وتُعيد إحياء صفحات مشتركة من التاريخ الحضاري.

ما تُقدّمه مؤسسة محمد بن راشد للمعرفة من إسطنبول ليس مجرد حضور في معرض كتاب، بل هو نموذج تنفيذي متكامل يُبرهن على أن الإمارات تمتلك إرادة واضحة وأدوات فعّالة لجعل اللغة العربية قوة ناعمة حقيقية في العلاقات الدولية، وأن الاستثمار في المعلم هو أذكى الاستثمارات وأبعدها أثراً.