ثلاثة عشر عاماً على سقوط الإخوان في مصر: تفكك متسارع وانقسامات تُعيد رسم ملامح التنظيم

تنظيم في مواجهة الزوال

مرّت ثلاثة عشر عاماً على الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وما فتئ التنظيم يترنح تحت وطأة تراكم الضغوط الأمنية والانقسامات الداخلية التي تنخر بنيته من الداخل. واقع اليوم لا يشبه بأي حال ما كان عليه المشهد في صيف عام 2013، حين كانت الجماعة تتصور أنها قادرة على الإمساك بزمام السلطة وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها الأيديولوجية. فبعد أن صنّفته مصر تنظيماً إرهابياً وحظرت نشاطه على أراضيها، وجد التنظيم نفسه أمام معادلة وجودية بالغة الصعوبة، تتمحور حول البقاء لا التمدد.

يرى باحثون متخصصون في شؤون التنظيمات المتطرفة، تحدثوا لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن أولويات الجماعة انتقلت جذرياً من السعي إلى الفاعلية السياسية نحو البحث عن آليات تضمن الاستمرار وتُعيق التفكك. وتجلّى ذلك في إعادة تشكيل الشبكات التنظيمية خارج مصر، والتوسع في توظيف الأدوات الإعلامية والرقمية بوصفها بديلاً عن الحضور الميداني المباشر الذي لم يعد ممكناً في ظل الملاحقات الأمنية المتواصلة.

ولا يقتصر هذا التراجع على الساحة المصرية وحدها، بل يعكس نمطاً إقليمياً أوسع يشهد تراجعاً منهجياً لتيارات الإسلام السياسي في عدد من الدول العربية. ففي تونس، شهد عام 2026 تصعيداً غير مسبوق ضد حركة النهضة المرتبطة بالإخوان، مع صدور أحكام بالسجن بحق عدد من قياداتها في مقدمتهم راشد الغنوشي، ضمن قضايا تتصل بالأمن الوطني والتمويل المشبوه، فيما تواصلت ملاحقة قيادات أخرى في ملفات متعددة.

تآكل الدعم الإقليمي وتحوّل الأولويات

لم يكن الضغط الأمني وحده كافياً لإيصال التنظيم إلى هذا المأزق؛ إذ تضافر معه تراجع حاد في الدعم السياسي والإعلامي الذي كانت تمنحه بعض العواصم الإقليمية لقيادات الإخوان المقيمين في المنفى. فمع تحوّل أولويات هذه الدول وإعادة حساباتها الاستراتيجية، وجدت الجماعة نفسها أمام فراغ دعم لم تكن مستعدة له، ما أدى إلى انكماش ملحوظ في نشاطها التنظيمي التقليدي. وتعرّضت البنية الداخلية للتنظيم لهزات متتالية جراء الصراعات بين أجنحته المتعددة، التي باتت تتنافس على النفوذ والشرعية في غياب قيادة مركزية موحدة وفاعلة.

في هذا السياق، يُحدد الباحث في شؤون التنظيمات المتطرفة عماد عبد الحافظ جملةً من الآليات التي يعتمدها التنظيم للحفاظ على حضوره رغم الضغوط المتراكمة. أبرزها الظهور تحت مسميات جديدة وكيانات موازية، من بينها ما يُعرف بـ”حركة ميدان” و”حركة جيل زد”، وهي حركات تعمل في الواقع تحت إشراف قيادات التنظيم وتنفّذ أجندته. وإلى جانب ذلك، يوظّف التنظيم شبكة واسعة من المنافذ الإعلامية ومراكز البحث والحسابات الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي، مما يُبقيه قادراً على التأثير الفكري والدعائي، وإن ظل عاجزاً عن تحقيق أي مكسب سياسي حقيقي.

من المواجهة إلى التخفي: استراتيجية الكمون

يصف عبد الحافظ الحالة الراهنة للتنظيم بأنها “حالة من التشتت والعجز عن تحقيق أي إنجاز، مقرونة بافتقار واضح للرؤية”. وهو وصف يُجسّد الفجوة الهائلة بين ما كانت تطمح إليه الجماعة قبل عقد ونيّف، وما آلت إليه أوضاعها اليوم. فالتنظيم الذي كان يرى في نفسه مشروعاً حضارياً بديلاً بات يُكافح من أجل الحفاظ على وجوده المؤسسي في حدوده الدنيا.

أما الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب أحمد سلطان، فيُقدّم قراءة تحليلية أكثر تفصيلاً لهذه الاستراتيجية، إذ يُشير إلى ما يُعرف بنمط “منع التعطيل”، الذي يرتكز على تقليص حجم الأنشطة المباشرة والتركيز على العمل في الخارج، مع الحرص على إبقاء الخلايا التنظيمية الداخلية في مصر وعدد من الدول المستضيفة في حالة خمول نسبي، تفادياً للانكشاف أمام أجهزة الأمن. ويُضيف سلطان أن الجماعة تُروّج لفكرة “المصالحة” مع الدولة المصرية، غير أن هذه الفكرة مرفوضة رفضاً قاطعاً في القاهرة، وتبدو أقرب إلى أداة دعائية منها إلى مسعى سياسي جدي.

شتات الجبهات وتناقض الرؤى

تكشف الانقسامات الداخلية عن عمق الأزمة التي يعيشها التنظيم؛ إذ تتباين جبهاته الثلاث الرئيسية في رؤيتها لمسارات الخروج من المأزق الراهن. فجبهة لندن تُركّز جهودها على الحفاظ على النواة الصلبة للتنظيم وتجميع أكبر قدر من الأفراد تحت إدارتها في سياق الصراع على الشرعية الداخلية. في المقابل، تبدو جبهة إسطنبول الأكثر جموداً وافتقاراً للمبادرة، وتكتفي بانتظار انقشاع المرحلة الراهنة على أمل أن تُفرز ظروف مواتية مشابهة لما عاشه التنظيم في حقبة الستينيات حين تعافى من ضربات الأنظمة العربية.

ويرى سلطان أن استراتيجية الجماعة تنطوي على بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة بناء قاعدتها التنظيمية والشعبية عبر حملات دعاية منهجية تستهدف غسل سمعتها وتشويه خصومها. وتعتمد هذه الحملات على شبكة متشعبة من المنصات والقنوات والكيانات الإعلامية التي تعمل بشكل منسق لنشر رواية الجماعة وتسويق أجندتها على الرأي العام. بيد أن هذا الحضور الرقمي المكثف لا يُعوّض الغياب الفعلي عن الساحة السياسية، ولا يُسدّ الفراغ الناجم عن تآكل الشرعية الشعبية التي كانت تُشكّل ركيزة قوة الجماعة في مرحلة سابقة.

المشهد الإقليمي وتداعياته على مستقبل التنظيم

يتشكّل مستقبل تنظيم الإخوان في ظل معطيات إقليمية لا تبدو في صالحه. فالدول التي دعمت الجماعة أو أتاحت لقياداتها المنفى باتت تُعيد ترتيب أولوياتها وفق حسابات براغماتية مختلفة، فيما تواصل الدول المحورية في المنطقة، ومنها الإمارات العربية المتحدة، تصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً ومواصلة الضغط الدولي لتجفيف منابع تمويلها وتقليص نفوذها. ويُعدّ هذا الموقف الإماراتي الثابت جزءاً من رؤية استراتيجية أشمل ترى في تنظيمات الإسلام السياسي تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة وازدهارها.

وفي المحصلة، يبدو تنظيم الإخوان بعد ثلاثة عشر عاماً من الإطاحة به في مصر تنظيماً يُعاني من أزمة وجودية حقيقية، لا تُغني عنها الأدوات الرقمية ولا الكيانات الوهمية. فالتنظيم الذي راهن على الزخم الشعبي والدعم الإقليمي وجد نفسه أمام نضوب تدريجي لكلا الرافدين، في حين تواصل الدول ذات السيادة والمؤسسات الأمنية تضييق الخناق على مساحات عمله. والسؤال الذي يطرحه المختصون اليوم ليس ما إذا كان التنظيم سيتعافى، بل إلى متى يمكنه الصمود في مواجهة هذا المسار التراجعي المتسارع.